Wednesday, February 11, 2009

في ذاكرتي امرأة
تأليف : مصطفى منبغ
أضواء خافتة، تتراءى من بعيد ، من نوافذ بيت يعانق سكون ليل بهيم، ارتعاشها يعكس خوف من بالداخل ويلات ذئاب بشرية جائعة قد تخطيء الطريق في بحثها عن سقف يحميها من عاصفة قادمة تجتاح المكان اجتياح جنون يحفر في مخ بائس يائس الرغبة في الانتحار، الجو الهادئ يبشر بانقلاب في اتجاه الرياح، ولا يدري أحد ما يقع من بعد ؟.
أضواء خافتة، أشياء مبهمة سحيقة المعني حتى على خفاش استأنس الظلمة حينما تحرك برغبة خلق من أجل قضائها لحكمة مقدرة، أشياء ترتكز على جدار من الصمت الرهيب تتحسسانه قدمي رجل تائه يسأل المصير عن الأمان يضخ به الدفء في دمه والثقة في نفسه حتى يستطيع مواجهة المجهول. دقة متناهية، خير وشر وبينهما الفراغ، فراغ هائل، حيث الشهوات تمرح في شغف وحبور لا تبالي بالأجهزة المعقدة. ويسأل الرجل نفسه
ــ لما تجاهلت عاقبة تصرفاتي ؟ . لما أنا شقي لهذا الحد ؟ . لما لا أصرخ وأصرخ حتى يسمع العالم كلماتي ويحكم ببراءتي ثم أنام وأستريح ؟، لما يا ليل هذا الهدوء ؟ ، متى أصل لتلك الأضواء الخافتة وقد رأيتها بالأمس أقرب إلي من اليوم وأكثر بعدا غدا ؟. لما الدموع إذن ؟ ، ما المناسبة ؟.أحبها، أجل أحبها، ومن أجلها سأبكي وأبكي ولتغرق الدنيا في بحر دموعي.
قرأ الضابط الورقة ثم أعادها إلى السيدة الواقفة أمامه في احترام ، ولسانه يتمتم بكلمات غامضة ، وبعد هنيئة من التفكير سأل المرأة
ــ متى غاب ؟
ــ وقت الحصاد
ــ هل كان يشتغل مزارعا ؟
ــ يزرع في دنيا الغموض ويفخر لأنه لا يقوى على العيش إلا وسط المزارعين وبين حقولهم
ــ وما دخل الحصاد ؟ ــ تلك قصة أتمنى أن تجد الوقت لأحكيها لك وبكل التفاصيل.
ــ ما دمت أبحث عن أي طريق يوصلني للرجل فكل وقتي لك
بصوت هادئ بدأت المرأة تحكي والضابط مشدوها يستمع لها بكل اهتمام
ــ كان أديبا يكتب القصة والرواية المسرحية ، دوما مع أوراق يخطط فوقها للناس هموم الدنيا ومتاعبها ، بأسلوب مشوق يتحول لسينريوهات أفلام تدخل على متتبعيها المتعة ، خاصة هؤلاء الأغنياء . أثناء راحته لا يكلم أحدا إلا طالبا ما يراه ضروريا للغاية. طالما اقتربت منه لأستنشق من أنفاسه عبير أخباره الدفينة، وحالما يفطن يتهرب في لباقة تحيرني حقا . طوال إقامتي بمنزله الريفي كخادمة ما شعرت إلا بالراحة التامة والسكينة الخارقة للعادة . حينما كان يسافر إلى المدينة أتطفل بمد اليد إلى أوراق يقذف بها لسلة المهملات. أحيانا أقرأ ما أتعجب له. أوراق تبكي بما كتب عن حرمان نفسي من أشياء لا أجد تفسيرا منطقيا لعا ، أو بصراحة ، كل ما يكتبه كان أكبر على عقلي وعلى فكري ، إذ لا أفلح في استيعاب كنهه . أذكر جيدا أنه رجع ذات يوم إلى البيت ، بعد غيبة أسبوع كامل ، تسلل ليفاجئني داخل حجرة مكتبه وأنا منهمكة على حل طلاسم سطر واحد كتبت فيه الجملة التالية
ــ لو سألتني عن السر قتلتك دون رحمة
حالما أمسك بكنفي شعرت أن خنجر لص مجهول ، اقتحم البيت ، غرز في ظهري ، لكنه وبسرعة مدهشة ابتسم مع التفاتي اللاشعوري نحوه ، وأجلسني على أريكة ما كان يرضى أن يجلسني بجواره فوقها أبدا وقال :
ــ عن ماذا تبحثين ؟
ــ لاشيء سيدي . أتيت لتنظيف حجرة المكتب كالعادة
ــ لست مغفلا، عن قصد كنت أترك لك هذه الأوراق ، ألا تجدينها سليمة في سلة المهملات ؟.
ــ والقصد من ذلك ؟
ــ تقرئين وتفهمين فتحكمين
ــ أوراق ؟ … سليمة ؟ … أحكم ؟ … ما هذه الألغاز يا سيدي ؟
ــ آه من المرأة، براءة في المظهر وجنون في الجوهر
ــ لا أفهم
ــ أنت مثلي ، لا أفهم حينما أريد ، مثلي تتعذبين في صمت و تضحكين للغير في غرور وكبرياء
ــ كيف عرفت يا سيدي ؟
ــ تقرأ على وجنتي المرأة الحقيقة وهي غارقة في النوم
ــ هل ؟
ــ لذي وسيلة كنت أستعملها في فتح الباب
ــ ولما تفعل ذلك ؟
ــ لأعرف الحقيقة
ــ حقيقة ماذا ؟
ــ لا أدري
ــ أي شرح يلج هذا العقل إن صدر عنك بلغة لا أتقنها
ــ ألا تذوبين فيما تصوره لك كلمات تلك الأوراق التي كلما غادرت البيت أسرعتي في إخراجها من سلة المهملات لتقرئينها بنهم ولهفة ؟
ــ خادمة سأبقى فهمت أم لم أفهم
ــ النتيجة ليست هي المهم. هناك البقاء لمن تصور عن غرور أنه المتحكم في الزمان ليتلذذ بما شاء
ــ لا أريد أن أفهم هذه المرة، حقيقة لا أريد
ــ على رسلك صغيرتي ، فلست المعلم ولا حتى التلميذ ، بل شخص يحضر ثم يغيب إلى أن تصل اللحظة ليبدأ الصراع بين الشفق ونور يبتعد رويدا رويدا ليعود
… هكذا كان ، أخاله مجرد إنسان يتكلم
يقاطع الضابط المرأة بشيء من العصبية
ــ ألا تقولين أنك مجرد خادمة ؟
ــ هو كذلك
ــ إذن كيف تسمحين لنفسك الغوص في خبايا الرجل وأدق قضاياه؟
ــ حينما تنطفئ شمعة والدنيا ظلام ، وعواء الذئاب لا تفتر خارج بيت منعزل ، والمطر مصحوب بريح تقهر أغصان المهيكل من الشجر، وبغثة تمتد نحوك يد تطرد عن جسدك ارتعاش الخوف ، فما عساك فاعل بها آنذاك غير البحث عن أدق التفاصيل قبل اتخاذ القرار
ــ أكنت تحبينه إلى هذه الدرجة ؟
ــ وما الفائدة إن كان لا يبادلني نفس الشعور ؟
ــ من يمد اليد لامرأة في سنك ، يخرجها من فزع ظلمة حلت بها إلى حيث الاطمئنان النفسي ، لا يفعل ذلك إلا إذا كان متعلقا بها
ــ وهل التعلق هو الحب ؟
ــ ما عساك تسمينه إذن ؟
ــ إحسانا ربما
ــ بل صدقة
تتعالى ضحكات الضابط الذي يتضح أنه نسي نفسه
ــ ربما يكون كذلك يا سيادة الضابط المحنك . ما لفرق بين الإحسان والصدقة والمعروف والخير ، إن كانت كلها تميز العاقل عن المخبول
ــ على العموم سأرحل الآن ، ومتى حضر ابلغيه أنني عائد ، وهذه المرة أريد الحقيقة هل تسمعين يا امرأة ؟ .
تتمة الرواية في الفصل القادم
مصطفى ميغ
في ذاكرتي امرأة
رواية من تأليف : مصطفى منيغ
(الفصل الثاني ــ الجزء الأول)
ــ لم يترك فراغا ، ولم يملأ الحيز نفسه بما يؤكد أنه سيد الموقف ، يحضر حينما لا يحتاج أحد رؤيته، وينسحب كلما لزم الأمر بقاءه، معادلة عجيبة، وتناقض ما بعده إلا الاعتراف بالفشل وترك هذه المهمة لسواي من ضباط الشرطة، وما أكثرهم عندنا في هذه المصلحة. لكن إن فعلت ذلك ماذا سيقال عني ، خاصة ورئيسي المباشر طالما سره ما تناولته تلك الإشاعة التي أفادت رغبتي في الاستقالة كلما عرضت علي الإدارة الإجابة على مثل الأسئلة ، التي حقيقة تكون دوما تعجيزية على قياس القضية التي نحن بصددها ، والتي تريدني المصلحة برمتها الإجابة بإحضار الجاني الحقيقي والكف عن ضياع المزيد من الوقت في الدوران حول نفس المعطيات الخالية من بصيص أمل مهما كان متواضعا تزرع في عملي حماس التقدم إلى الأمام مهما بدت الأشياء غامضة لحد الجهالة التامة بموقع رأس الخيط الرفيع المنسوجة به العملية ومن الأساس . الظاهر أنني سأكون في حاجة إلى مساعدة تلك الإنسانة المعذبة التي ما فتئت تتنهد وهي تقص علي حكاية الرجل / الغز . تتنهد ؟؟؟ ، أجل قلتها من هنيهة فقط، ولما التنهد ما دامت بين أحضان تحس أن صاحبها يكن لها المحبة والاحترام. والتنهد لا يصدر إلا عن مهموم بجراح تسرب مفعولها إلى مهجته جراء حادث محزن تعرض له بغثة وبدون سابق إنذار ؟؟؟… لا .. لا .. لا، أشم رائحة " إن " في الواجهة تحذرني مما سمعت جملة وتفصيلا على لسان تلك المرأة / اللغز قد تردد، الظاهر أن الإلغاز تجمعت كمؤامرة عفوية مدبرة ضد كفاءاتي المهنية تجردني من استعمال أي وسيلة تقودني حتما لمسك رأس ذاك الخيط اللعين… لكن ، ومهما تشعبت الأفكار لتملي علي ما يجب فعله كخطوة أولى في مجال التقصي الفوري للتحكم المبدئي في قاعدة التحرك صوب الهدف المباشر دون وسائط ولا قناعات مشيدة على فرضيات مشكوك في جديتها ، بالأحرى صحتها . سأستمع للمرة العاشرة لما ستخلصه ذهني المفعم بكل الصور التي التقطتها عيناي في نفس المكان وتلك المسكينة واقفة فيه تجيب عن سلسلة استفساراتي . أحيانا بكلمة نابعة عن فلتة لسان نصطاد المعلومة القيمة التي نكون بها قادريين على بسط استنتاج نخص به متابعة مسلك يؤدي بنا إلى ملامسة المطلوب إدراكه. أتذكر أنني سألتها : هل كان يشتغل مزارعا ؟ ، قد يبدو بسيطا هذا السؤال، أليس كذلك ؟ ، أهميته تكمن في ترك المستجوب ينحاز للتدقيق في الإجابة حتى لا يطعن في صدق أقواله ، فإن لم يعرف المجال الذي يشتغل فيه من يرتبط معه بعلاقة حميمة ، فمعنى ذلك أنه إما ممثل يتقمص دور المغفل ، أو مجرد عابر لا يؤتمن وغير ذي مصداقية أصلا في هذه القضية.لكن ألا نجد في إجابتها نوعا من الهروب المبطن بذكاء في انتقاء العبارات حتى يأتي الجواب فارغا من أي محتوي يساعد على الوثبة المباشرة لاستدراك للخطوة الثانية ؟ ، وفلسفة منطوية على بعد مكشوف اتقاء الوقوع في تدرج كلامي لا يحمد عقباه ؟ . قالت بالحرف الواحد:" يزرع في دنيا الغموض ويفخر ، لأنه لا يقوى على العيش إلا وسط المزارعين وبين حقولهم "
هنا بالذات يلج المكتب مساعده الرئيسي متمما جملة بدأها قبل فتح الباب
ــ … وأنت هنا ماذا تفعل ؟
ــ أفكر بصوت مرتفع ( يجيب الضابط متعجبا من مثل التصرف غير المألوف من لدن مساعده

ــ بمرتفع أو منخفض، الملف لم يعد من اختصاصنا
ــ من قال بهذا ؟
ــ لم يقل ، بل أمر به
ــ من ؟
ــ المدير العام بنفسه ، لقد حضر إلى هنا وأسمع رئيس المصلحة كلاما، لو كنت حاضرا وطرق أذنيك لقدمت استقالت فورا دون أدنى تفكير
ــ للمرة الألف أخبرك أنني لن أقدم هذه الاستقالة تحت أي ضغط كان ، ولن يهنأ رئيس المصلحة ولا المدير العام نفسه بهذه اللحظة التاريخية وأنا أتنازل " لسعادتهما" عن عملي الذي حققت فيه أشواطا متقدمة من النجاح ، ÷ل تسمعني أيها المساعد ، لكن لم تخبرني بما حدث به رئيس المصلحة ، هلا قمت بذلك الآن من فضلك ؟
ــ بكل سرور ما دمت مصرا على ذلك، قال له وبصوت حاد جد مسموع
" تذكر يا هذا أنك فوق مكتبي مدون اسمك بقلم الرصاص، أتفهم أن يكون اسمك مدون بقلم الرصاص ماذا يعني ؟ .. معناه أنك لم تبدي أي جهد يجعل منك محط ثقتي الكاملة كتلك التي تستوجب أن انقل اسمك من كتابته بقلم الرصاص إلى كتابته بقلم الحبر … والحبر الأسود الجيد اصنع حتى يبقى مسجلا بلمعانه ما بقيت مسؤولا على هذه الإدارة ، ألا تخجل من نفسك ورجل طليق يسخر منك ومن مصلحتك هذه وأنت واقف تتفرج كأنك شخص عادي وليس قائد لمئات من أفراد قوى الأمن ؟ ، بأي منطق تريدني أن أخاطبك وأنت خلال هذه المدة غير القصيرة ما عبرت إلا عن متانة فشلك وعدم قدرتك على وضع أي إستراتيجية تمكنك من محاصرة " ذاك "، كأن التكوين، الذي انتقلت لتلقيه شرقا وغربا، مجرد نزهات سياحية للترويح عن نفسك، الحقيقة.. صبرت عليك كثيرا ، واستمعت لمعاذيرك أزيد من مرة ، وأظن حان الأوان لأضعك في المكانة التي تستحقها ، وقبل ذلك سأقترح عليك فرصة استثنائية أضعها بين يديك إرضاء لضميري المهني ، أمامك خمسة عشر يوما لتكون النتيجة مرضية ، الإخفاق عليك ممنوع ، إما النجاح التام أو مع السلام ، وما بقي أنت تعرفه بالتمام
(يتبع

قصة قصيرة / 16

ورقة وإنسان
مصطفى منبغ
تساقطت عليه ورقة وهو جالس تحت شجرة في حديقة شارع " اودخرارت" في مدينة " أطريخت " العاصمة العلمية لدولة الأراضي المنخفضة ، المملكة الهولندية . جالس بمفرده والمساء ببرده القارس يستعطف كما يفعل هو نفسه أن يتأخر شبح ضوء نهار متهالك يغيب في سرعة مذهلة إرضاءا لظلام يتهاوى متمخترا على رؤوس الأحياء دفعة واحدة ، وكأنه يتعشق إهمادهم حيث يلجأ كل منهم لجحره أو داره ليتحول الخاضر لمستقبل ما مضي في دورة باقية ما بقي الوجود حيا بمشيئة خالقه الباري الحي القيوم سبحانه وتعالى . تحسسها وقد استقرت على عاتقه الأيمن فوجدها يابسة قبل أن يأخذها لتحلق فيها عينيه جيدا فيتيقن من ميول لونها إلى الإصفرار وقد كانت من قبل يانعة نضرة خضراء ، فراودته فكرة أن يقارنها بنفسه هو الوافذ من شجرة مزورعة جذورها في افريقيا ليهوى في هذه الحديقة الخالية من العنصر البشري بفرط برودة الجو و حلول مساء ممطر ، نقمتان اجتمعتا عليه ليحدث ما كان يخشاه من ساعة زمنية لا غير ، أن يتجمد جسمه ويعلوالشحوب وجهه ويدخل في غيبوبة المصير المجهول ليغدو كالورقة المتساقطة لافرق . يرفع يداه إلى السماء متضرعا ربه الكريم ، بقلب خاشع ، وجفن دامع ، وايمان للقدر طائع . بغثة يسمع جلبة ما عهدها المكان منذ جلس صاحبنا وسطه . إنها فتاة هولندية تركض صوبه مستغيثة أن يخلصها ممن يلحق بها والشر يتطاير من سحنته بحركات يبديها غير عادية ، بل تقف خلفه حينما تصل إلبه ليواجه بدلها ما قد يحدث من تصرفات المهاجم الوقح . كان غريبا ذاك الإنسان المنتسب لبلد غير هولندا ، يتحدث لغة يفهم منها رغبته في الحصول على شيء ليس من حقه المطالبة به أصلا ، فلم يكن على صاحبنا إلا أن استجمع ما تبقى من قواه وأحاط بذراعيه المهاجم ليقذ به نحو بركة يكاد ماؤها يتجمد جله . الفتاة لم تترك مخلصها من تلك الورطة لمواجهة مصيره لوحده بل مسكت بيده وجرته نحوها ليركضا معا ولن يتوقفا إلى أمام بيت تطرقه فتفتح الخادمة بابه ليمرا الي الداخل وقد انتبها إلى الاستغراب المرسوم واضحا على وجهها المستدير . ينهظ الوالدان من فراشهما الدافئ ليستطلعا الخبر ، وما هي إلا لحظات حتي يبديا فرحهما بالنتيجة ويشكرا صاحبنا على انقاذ حياة ابنتهما الوحيدة ، بل يستدعيانه لعشاء فاخر وفراش وثير ووعد بمنصب رئيس العمال المغاربة في معملهما الذي يملكانه المتخصص في انتاج السجاد الصناعي

قصة قصيرة / 45

"الأمانة" و "المقبلة"
ــ تسلمت"الأمانة" ؟
ــ أجل تسلمتها
ــ إلى "المقبلة
ــ هو ذاك إلى المقبلة
وبينما هو جالس في المقهى حضرت دورية للشرطة وساقته إلى مقر الأمن ليجد نفسه أمام محققين ثلاثة وعليه الإجابة الفورية ولا شيء آخر سواها… إذ الأمر خطير، والقضية غير قابلة للتأجيل أو الانتظار إطلاقا، مفتش سري يسال، ومباشرة رفيقه الثاني يعاود نفس السؤال بطريقة أخرى، أما الثالث فبأسلوب مغاير تماما… وهو جالس على الأرض لا يجد مناصا غير النطق بهما مجددا ــ أجل تسلمتها
ــ أجل الى المقبلة.
ــ إذن (يسأل أحد العناصر الثلاثة)… ما شكل "الأمانة"التي اعترفت بتسلمها ؟؟؟ . أي طراز نوعها ؟؟؟ . أهي من صنع محلي أم خارجي ؟؟؟ ، الأجزاء المركبة منها، أ مصدرها من عندنا أم من دولة أجنبية ؟؟؟. كيف تم جمع عناصرها أ بالخبرة التقليدية في البلد أم من المستورد؟؟؟
ــ و"المقبلة" (يسأل ثاني العناصر ذاتها) متى وقتها ؟؟؟ .من أي طرف سيتم
التسليم
حاول الرجل أكثر من مرة أن يفهمهم أمرا لكن توسلاته رفضت وبصرامة مؤكدة
ــ فليقتصر كلامك على النطف بالجواب عما تسأل في شأنه لا غير ولا أقل. و إلا عرضت نفسك لمحن الدنيا كلها وآلامها (يصيح في وجهه العنصر الثالث)
بينما هم كذلك اقتحم حجرة الاستنطاق رئيس المقر، فوقف الثلاثة وبانتباه شديد يترقبون التعليمات الجديدة. فبادرهم بالسؤال وقد رأى ما تعجب له ــ ماذا تفعلون ؟؟؟ ــ نستنطق المتهم.(قال أحد الثلاثة)
ــ أي متهم ؟؟؟
ــ ذاك الجالس أرضا (يضيف الثاني)
ــ ألم يصلكم نبأ تعويضي برئيس آخر بعدما صدر قرار انتقالي إلى المدينة المجاورة ؟ ــ أجل ( رددها الثلاثة معا)
ــ أتدرون من هو رئيسكم الجديد ؟؟؟ … إنه الجالس أرضا، ذاك الذي اتهمتموه وتستجوبونه بهذه الطريقة الغريبة
ــ وأجل "تسلمتها" و" المقبلة " ؟؟؟… ( يسأل احد العناصر ــ حوار سبق أن دار بيني وبينه من ساعات قليلة حينما عثرت عليه جالسا في المقهى.وأعني ب"الأمانة" برقية التعيين، أما "المقبلة" فالترقية التي سيحظى بها بعد أيام من تسلمه المسؤولية الجديدة على رأس أمن هذه المدينة. لكن (يسال الثلاثة بدوره) كيف التقطتم نفس الحوار؟ ــ بواسطة متعاون معنا من رواد نفس المقهى ( أجاب أحدهم وقد غالبه الحياء
مصطفى منيغ

قصة قصيرة /14

اشتكيه للحكومة
لم تترك وصفا جميلا إلا وألحقته بزوجها عساه يتنازل عن موقفه المتشدد ويشتري لها تلفازا تتسلى مع ما يبثه من برامج عل غرار باقي أسر الدوار في تلك القرية الكائنة بشمال المغرب التي أخذت " الحداثة " تزحف إلى هضابه وجبالها بكيفية يطول شرحها. لكنها ككل مرة تصطدم بنفس الإجابة التي حفظها طفليهما الصغير عن ظهر قلب، حينما يصيح الزوج في وجهها
ـ أجننت يا امرأة؟ ..أو تتجرئين بمطالبتي إدخال الشيطان إلى قعر داري ؟ .. لن يحصل هذا أبدا
… وبعصبية يمسك بيد أحمد ويتجهان إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة. لكن بعد عودتهما إلى البيت، وبينما الأم تتصنع عند استقباليهما الحزن العميق يفاجئها الطفل مخاطبا والده :
ـ ذاك الذي رأيناه في الجانب العلوي من جدار المسجد الأيمن أليس جهاز التلفاز ؟ .
يجيبه الأب وعيناه مغرورقتان بالدموع :
ـ أجل يا ولدي هو جهاز التلفاز
ـ إذن لما تحرم أمي من طلبها بشراء جهاز مثله ؟ .. الم تسمع ما قاله لك مقدم القرية بأن الحكومة هي التي أمرت بتزويد بعض المساجد بأجهزة التلفزيون ؟ . كم من مرة قلت لك أني اسمع في المدرسة كلاما متضمنا عبارات : العولمة ، الحداثة، مدونة المرأة ويتجه احمد إلى أمه قائلا ـ إن لم يحضر لك التلفاز اشتكيه للحكومةيصيح الأب في عصبية يكاد على إثرها يمزق جلبابه
ـ أأنت أحمد ولدي الذي اعرفه أم شخص آخر؟؟؟
تتدخل المرأة وبجدية تخاطب بعلها
ـ أجننت يا رجل حتى تخاطب طفلك بهذا الأسلوب ؟؟؟.أحمد على حق سأشتكيك للحكومة
مصطفى منيغ

قصة قصيرة 13

معا.. إلى البداية
أشياء تتراءى قدامي واضحة تماما كأن الأعوام التي مرت لحظات من عمر الزمن لم تأخذ الأحداث من رموزها ما ينسي الفكر أدق المعلومات، عواصف من الأحاسيس تجتاح الخاطر وقد كان ما كان لتتكرر المواقف من جديد وتلك فلسفة الحياة التي يعجز العقل دوما في الغوص إلى أعماق أسرارها. يبقى السؤال المحير: لماذا ؟؟.. وما من مجيب غير شريط من صور الماضي تحاول بها النفس الدفاع عما ارتضته من مواقف وهي تسير في خضم ما تفرضه هذه الدنيا من أساليب وأنماط عيش أقل ما يقال في حقها أنها العناء والألم والحرمان ولا شيء آخر على الإطلاق، ولو كان بمكان العين أن تضع خريطة لما رأته لضاقت كل المساحات على احتوائها ولا زالت ترى وتشاهد، ولو قدر لأذن واحدة أن تعيد ما سمعته لما استطاعت الإنسانية جمعاء أن تصغي دون أن يصيبها القنوط والندم… لا زالت هذه الأذن تسمع أمورا رغم بساطتها تكبر بكثير خيال أصفى العقول وأقدرها على التحليل والتركيز. ونبقى سائرين دون توقف وإن كنا لا نتحرك إلا حول محيطنا الذي نحلم أنه يتجدد ويتغير، والواقع أنه باقي كما كان منذ أدركنا أننا نتحرك، وسيبقى كما كان حتى يدرك الآخرون بعدنا أنهم يتحركون. نجلس صباح مساء لتغذية الحواس بما لذ وطاب ـ أو هكذا نظن ـ ولا يزيد ذلك فينا إلا التكهن بالإبحار نحو عوالم أخرى ولن نصل للأسف الشديد لأن الرحلة نبدأها من أي نقطة ونصل إلى البداية. ولا أحد يصدق أنه مهما أحرز الإنسان من غنائم مادية لا يحرز إلا على لحظة يتيمة يبتسم خلالها أو يبكي وينتهي كل شيء.
هكذا وقف " حميد " يحدثها وهي كاتمة لضحكة تخاف أن تخونها قوتها فتنفجر من أعماقها لتوقف الرجل عن حماسه المفرط هذا في التقاء النقط غير المفهومة لأمثالها. وكم دهشت حينما سمعته يقول
ــ تحاولين الهروب من الحقيقة بضحكة تتراقص أمواجها داخل صدرك تجاهدين في بسالة لتخفي ما قد تسببه لك من حرج، مسكينة أنت يا فتاتي، لو كنت مكانك لضحكت وربحت نفسي، فحينما نرخي العنان لأحاسيسنا نخفف عنها وطأة الألم حتى وإن كانت ما ذهبت إليه مثل ضحكتك المكتومة. أعلم أنني أخاطب السراب ولكن على الأقل أجد الشجاعة لذلك. فمتى تفهمين إذن ؟؟؟
تتحول الضحكة الملعونة في حناياها سوطا تشعر بضرباته القاسية تمزق أدق الخلايا في جسدها فتحاول الانصراف لكن شيئا يمسكها على البقاء بجانبه، قد يكون ذلك الشيء حبا أو عطفا أو مضيعة للوقت لا تدري، المهم أنها متمسكة به رغم مواقفه الشاذة تلك حتى وإن كانت كلمات يفوه بها. و أخيرا تجد نفسها في حاجة إلى البوح بما يخامرها من أفكار، بما تريد تبليغه إلى عقل الرجل الشاخص حيالها دون بلاغة، وبدون فلسفة أو انتقاء لما تعلمته على امتداد الأعوام الأخيرة من حياتها، يحس "حميد" بهذا كله فيتوقف، وفي ذلك علامة، إن لم نقل رخصة، لتجنح المرأة لما تريد
ــ يا صديقي… لم أخترك رفيقا من فراغ بل عن تؤدة، وروية، وتمعن، وتعقل. فكرت فيك الليالي الطوال، ورأيت فيك ما رأيت، وإياك أن تسألني الآن ما رأيت. أحيانا تغمرني السعادة لمجرد سماع خطبك المطولة التي تغنيني عن مطالعة الكتب الغالية الثمن، وأحيانا أحس بالتعاسة لأنني لم أستطع أن أصرفك عن هذه المهارات إلى شيء أكثر نفعا ومردودية ، وأحيانا أكاد أفقد توازني وأنت منزوي مع العمق الرهيب تبني القصور على الرمال وأمامنا ما هو أهم ، تحرك يا صديقي مع الموجة وكن عونا لنفسك قبل الآخرين، فإنك لن تقطع لن تقطع البحار سباحة، وإن حاولت لغرقت بمجرد قطعك أمتار معدودة
توقفت المرأة ، بل الدموع المتفجرة من مقلتيها أوقفتها عن الاستمرار. إنها تبكي في صمود ، في صمت ، وما أصعب على المرء أن يبكي في صكت ، أن يبكي بلا دموع ، فأي موقف يحث على الشفقة أكثر من هذا الموقف ، أما صديقنا "حميد" انطلقت من حنجرته قهقهة تقاذفت صداها جدران الحجرة الأربع لتصطدم مع عقل الفتاة فتحول دموعها إلى دموع جافة لا معنى لها ولا تأثير ، فلا تجد إلا مشاركته الضحك ، وهكذا يتحول منظريهما إلى حدث غريب لا يتكرر، وما هي إلا هنيئة حتى يتلاشى الصدى رويدا رويدا ليغيبا معا في تلاحم غير محسوس ، تنطفئ معه الأضواء من تلقاء نفسها، تاركان المجال لروحيهما أن تتمتعا بأجمل المقاييس الزمنية المحدودة للحياة ، وهكذا لا مجال للكلمات… يتبخر كل شيء… يسيطر الحلم الأرجواني ليقود دفة التحكم في كل شيء أيضا… هنا تغيب الفلسفة ويسيطر الواقع… وهنا بالذات يشعر الإنسان أنه إنسان حقا
ــ صياح الديوك ؟؟؟
يسأل "حميد" نفسه
ــ وما دخل صياح الديوك.. ما دخلها ؟؟؟
يفتح عينيه وبدهشة
ــ أه… لقد بددت الديوك الرؤية الجميلة
بتلقائية يرفع يده اليسرى ليرى أن الساعة متأخرة، وحلم البارحة حرمه من الاستيقاظ مبكرا. ودون تفكير يقفز من الفراش ليهيئ نفسه لاستقبال يوم جديد من العمل. لا يدري أي الطرق أخذها ليصل بهذه السرعة إلى مكتبه في الإدارة. لم يعبأ أصلا لتلك الضحكات وهي تتعالى من كل مخلوق يمر من أمامه… حتى إذا دخل المكتب وأغلق الباب خلفه رن جرس الهاتف، وكان المتحدث رئيسه يطالبه بالحضور وفورا لإلى مكتبه. وأمام هذا الأخير يجيب بأدب واحترام شديدين
ــ ماذا فعلت حتى تقابلني بهذه اللهجة وبهذا الأسلوب غير العادي ؟؟؟
يشير الرئيس إليه بإصبعه المتحرك صعودا ونزولا وهو يصيح
ــ هل نظرت إلى نفسك في المرآة ؟؟؟
ــ أبدا. ولما أفعل ؟
ــ لتتيقن أنك حظرت إلى الإدارة بلباس نومك
ــ لباس نومي… يا للهول… افتكرت… من الفراش إلى هنا رأسا…أنت على حق … لم أغير ملابسي… يا للمصيبة. العفو يا سيدي لن أكرر الفاعل أبدا. اعتذر لن أستطيع البقاء هنا وأنا على هذا الشكل المخزي … سأغيب حالا كي لا يتعطل العمل كلية في الإدارة
وقبل انسحابه شده كلام رئيسه حينما قال له
ــ انصرف بغير رجعة، وبما ان العملية كررتها أكثر من مرة فليس أمامي إلا إشعارك بأنك مفصول عن العمل ابتداء من هذه اللحظة
مصطفى منيغ

قصة قصيرة / 12


نريد الملف
بقلم : مصطفى منبغ
جلست مقابلة له لتنظر إليه بعينين تحول بياضهما لحمرة دم وفي وقاحة وعدم احترام تخاطبه
ــ اذهب واسرق واخضر لي المال . افعل كما يفعل أسيادك الرجال
فغر المسكين فاه من هول المفاجأة. لم يكن يتصور أن يسمع منها مثل الكلام اللامسؤول مع أول أزمة مالية يتعرض لها لأسباب لا تعود إليه ، بل إلى الحالة المهيمنة على البلد في كل المجالات أساسها الركود ( المنبعث عن سوء تدبير المسؤولين ) الذي ضرب الاقتصاد والتجارة عموما بصفعة مؤلمة ، سيعاني منها هو شخصيا كسواه من التجار زمنا ليس بالقصير. ودون أن يجيبها بما يشبه قساوة طلبها المجحف هرول خارجا وقد تدبر أمرا ذا بال . أحست المغرورة بارتعاشة زهو مصحوبة بابتسامة لم تكن في انبعاثها من دواخل سحيقة في وجدانها الباطني سوى رد فعل يعبر بطريقة خاصة على انتصار أولي حققته من موقعها اتجاه بعل تعترف في قرارة نفسها أنه ضحى بما كسب وأكثر من أجلها ، ولم تنتبه إلا وطرقات قوية على باب منزلها الخارجي الذي ما كادت تفتحه في عجالة حتى اصطدمت بنظرات والدها الحادة قبل أن يلج ليرتمي بجسده على أول أريكة صادفته في قاعة الجلوس
ــ ما أصابك أبتاه ؟
سألته وحب الاستطلاع الفوري يكاد يخنق أنفاسها، خاصة وحالة والدها تدعو حقيقة للقلق وتظهر أن شيئا بليغ الخطورة أصابه
ــ مصيبة وحلت على رأسي كالصاعقة. لا أدري بماذا أجيب السيد المحافظ لحظة تقديم الحساب ؟
ــ " محافظ "؟ ، " حساب " ؟... ما هذا الهراء يا أبي ؟
ــ هراء ؟
قالها وابتسامة ماكرة تطل عليها من ملامح وجهه المتألم في عمق وهو يستطرد
ــ أنت لا تعرفين " السيد المحافظ " وما عساه يلحق بي من أضرار لا أتخيل أنا نفسي أبعادها إن تمت
ــ أبي العزيز .. أرجوك .. أعصابي لا تستحمل أكثر.. ماذا ستخسر لو أخبرتني بالمشكلة ؟
ــ ما عساي أخسره أكثر مما خسرت فعلا
ما أن أنهى هذه الكلمات حتى وقف ليصرخ وبشدة في وجهها قائلا
ــ إنه زوجك الملعون . لقد حضر إلى بيتي .. فتح بابه بالمفتاح الذي سبق و أعطيتك إياه لتزورينني وقتما شئت . مباشرة صعد إلى غرفة نومي ، وبعد تكسيره الدولاب الخشبي بمطرقة أظن أحضرها خصيصا للقيام بهذه العملية الحقيرة ، استولى على مبلغ من المال وملف . وقبل انصرافه ترك لي في نفس المكان من الدولاب هذه الورقة المكتوبة بخط يده(ما كاد يخرجها من جيبه حتى التقطتها من بين يديه لتقرأ بصوت عالي: )
ــ اسمع يا صهري العزيز.. أنا اللص الذي سرق ما بدولابك من مال . فعلت هذا نزولا لرغبة ابنتك زوجتي المحترمة التي أمام أول أزمة مالية تعرضت لها بسبب أمثالك وأمثال سيدك " المحافظ" إياه، طلبت مني وبكل وقاحة أن اذهب واسرق واحضر لها المال، أن أفعل كما يفعل أسيادي الرجال... فقلت في نفسي: إن كان ولا بد فلأسرق صهري العزيز فهو سارق وبامتياز. وإذا أبلغت الشرطة عني يا صهري العزيز سأقدم لهم الملف الذي عثرت عليه رفقة المبلغ المالي لتتيقن أن الحفرة التي حفرتها لي ابنتك ستكون أنت أول ساقط وسطها
تسلم الورقة إلى والدها بيد مرتعشة من جراء الصدمة وقد تحول لون محياها من انتعاش حمرة مقبول إلى شحوب وعلامات ذهول سائلة والدها بصوت بالكاد يسمع
ــ وما يتضمنه الملف ؟
ــ من جملة أوراقه واحدة تتضمن إقرارا بخط يد السيد المحافظ يؤكد لي فيه : سأشاركك ما تستولي عليه كقيمة مالية مأخوذة من صاحبنا كرشوة ، لذا تصرف كعهدي بك ، واعلم أن الوزير المعني موافق وبين يدي ما يثبت ذلك
أنساهما الانسجام مع خطورة المشكلة دخول الزوج إلى البيت ولم ينتبها إلا وصوته يخاطب الزوجة
كم تريد من المال الذي سرقته وأحضرته لك يا زوجتي العزيزة ؟
يجيبا معا دون شعور
ــ نريد الملف
.

قصة قصيرة / 11

هل فهمت؟
خرج مسرعا عساه يلتحق برفيقه الذي غادره من لحظة . لكن أحمد إختفى ولم يعد له أثر وسط زحام الزقاق الغاص بالمارة نحو كل الإتجاهات . فعاد إلى مسكنه طارقا برأسه صوب الأسفل في منظر يوحي بالكآبة والحسرة والألم . وقد أحست والدته بأن الأمر بالغ الأهمية . فما تعود أن يلج غرفته دون التهام قطعة الحلوى التي طالما قبل يدها متوسلا أن تصنع له مثلها . فكان عليها إن تستطلع الخبر .. إلا أن شكوكها تقوت حينما طرقت باب الغرفة فلم تسمع لمن في الداخل جوابا . تعالى صراخها بعدما نفذ منها الصبر وهمت بتحطيم الباب لولا أنه فتح على حين غرة وباندهاش تسأل
ــ ما دهاك ؟ .. وأي حماقة هذه .. أن تتركني أكاد أفقد صوابي وأنت صائم عن الكلام ؟ .. ماذا جرى ؟ ..وأي أمر تخفيه على أمك ؟ .. تكلم .. قل ما تريد
وبأدب جم ، وصوت خافت أجابها
ـ ذهب مندفعا لارتكاب حماقة وأنا السبب حينما أخبرته أن والده متزوج بامرأة أخرى في الخفاء
اصطكت عوارضها من هول المفاجأة . فهل علم فعلا أم كان استنتاجه مجرد صدفة . وبعد لحظة تفكير طويلة أخبرت الأم ولدها قائلة
ـ لم تكذب يا ولدي .. فقد تزوج والده من والدتك فعلا
مصطفى منيغ

قصة قصيرة / 10

أنف وعقل
ــ مستطيل رأسك… وعيناك جاحظات… شكلك مفلطح ومنبعج، ومع ذلك قبلت بك حليلة… أتدرين لماذا ؟؟؟ رددت المسكينة نفس التساؤل
ــ لماذا ؟
ــ حسبتك تجيدين الطبخ، وأنا رجل همي في بطني، رائحة "الطبخ" تجلبني جلبا مهما أدى بي فأنا أوافقه. أتذكرين قصة زواجنا ؟ … كان اليوم أسود يوم في نصاعة بياض حياتي ، حين أتيت ووالدك لتسكنا البيت المجاور لبيتنا ، بل الملتصق به مباشرة إذ لا يفصل بينهما إلا جدار قياس بضع سنتمترات لا يقدر على حجب الصوت بين الاتجاهين ، ومنذ اليوم الأول الذي اصطدم أنفي بروائح طبخك أصبحت لا أقوى على مغادرة البيت حتى لا أحرم نفسي من طيب ما استنشقه من عطور تتصاعد مما تطهينه سمكا كان، أو لحما، أو مجرد خضر لا غير، وبكثرة حرصي على شم الرائحة المتسربة من ثقب( حفرته فأرة من عهد ساكنة البيت القدامى) في الجدار الفاصل بين حجرة نومي ومطبخك ، أصبحت أميز نوعية الأطعمة التي تأكلينها ووالدك وأمني نفسي بالتذوق منها ذات مرة ، حتى ان فطنت بي والدتي وجدتها فرصة وفاتحتني في موضوع الزواج منك ، أنا الذي كنت مضربا على الزواج خاصة وبنات اليوم لا يتقن الطبخ بالمرة ، وقبلت ، أجل قبلت فقد غلب أنفي عقلي وتم عقد القران ، وكم كانت سعادتي لا توصف وأنا ألتهم الأطباق الشهية المملوءة بما لذ وطاب التهاما يصل حد الشراسة أحيانا ، هل فهمت ما أقوله لك يا وجه النحس؟
ــ نعم… فهمت، كان علي أن أصارحك منذ اليوم الأول أنني لا أجيد طبخ الطعام إطلاقا، وأن والدي هو الذي سحرك بجودة طبخه فقد كان من أمهر الطهاة، حاول أن يعلمني لكنني لم أفلح في التقاط الوصفات التي كان يحاول إدخالها في ذاكرتي، وحتى لما تزوجت بك استمر يطبخ لنا، يقوم بذلك حالما تغادر المنزل لعملك اليومي، ولولا وفاته رحمه الله لبقي الحال على نفس النمط أما الآن فلا مجال إلا بالرضوخ إلى الأمر الواقع.
ــ سأطلقك وبالثلاث… ولن أسامح أنفي ما حييت
مصطفى منيغ

قصة فصيرة/9

لعنة عنوسة
لمحته من بعيد فتذكرت . لم يكترث بها، وهذا أمر حسبته طبيعيا، فقد ألفت منه التعالي والتحكم المفرط في كبت مشاعره منذ سنين وإلى الحين، تذكرت لما كانت وكان، يمرحان بين الصبية والفتيان، برعمان في بستان، عينان في محيا ود ساد لزمان، تذكرت عهدا تبخر، وحبا أقبر، وتواصلا لم يعد بينهما حتى خبرا، تذكرت لما صفعها فتوردت وجنتها اليمنى المرتطمة بكف خشن ما رحم أنوثة ولا احترم أنثى
ـــ شيء تافه حصل
تمتمت تبرئ نفسها مما ظنه وقع
ـــ لم يحتمل نظرة محرقة لطرف ثالث حضر بغثة
قالت بصوت مسموع هذه المرة معللة أحقيتها في الانصراف من حياته بغير هوادة
ـــ لم يكن في وعيه فخاب في سعيه
حركت رأسها في إصرار لتؤكد على سلبية النتيجة التي حصدها بعد القرار الذي اتخذه جورا في حقها
ـــ وما نفعه الندم ، فرسائله الحبلى بالاستعطاف لم تشفع لعودته بالأحرى الارتباط ثانية
اصطنعت عنوة هذا "الشبه" إقناع حفاظا على كبريائها الغائر بين تقاليد وأعراف بالية ، المهم تذكرت إحدى الصور المؤلفة في وعيها الباطني شخصتها العنوسة كلعنة التصقت بحياتها مذ الساعة التي زارتهم في بيت العائلة " عرافة " نقشت في مخيلة الجميع
أن الفتاة ستظل عانس في الواقع الملموس ، مرتبطة في الخيال بما يقلب على نفسها " المواجع" تارة والمسرات أخرى
مصطفى منيغ

قصة فصيرة/8

من هذه يا صديقي ؟
بغير افتعال لفرصة داهمة ، وبلا اختلاق لهنيهة يتيمة وجد نفسه وجها لوجه معها . توقف الزمان هكذا ظل واهما نفسه دون مجال للتصديق. أشرقت الأنوار بعد ليل بهيم ، تدلت من شرفة ماضي كانت مقام تعلمها فن الترقب من الأعلى في بيت صبغه دخان شواء الكباب حينما ارتمي على جدرانه انطلاقا من دكان المواعيد غير المحددة . بذاك تلعثم لسانه مخاطبا وجدانه في صمت ينقش اصطداما روحيا بين رجل وامرأة غابا لعقود أربعة فتجمعا صدفة وسط الدرب والسماء تمطر كأنها تغسل ضباب ذاكرتيهما لتنساب الذكريات تملأ الجفون الأربعة بدموع الفرح تعوض الحبر في تزويد قلم التسجيل العفوي للحظة اللقاء المعجزة بما يليق من نبضات قلبين وما يروق لصراخ مدفون داخل صدرين ذبل سطحهما واحتفظ باطنهما على نضارة يانعة ، فالحب الصادق لا يشيخ ، يبقي على عنفوانه أنشودة للخلايا منتسبة للدم كانت أم للدماغ ، تتغنى وسط عوالم يغيب العقل متى فكر في تصور ارتباطها في وفائها لحدث يجعلها قادرة على الاستمرار رغم فقدان أجمل دافع لذلك
… لقد كانت كل شيء بالنسبة إليه . أحبها وهو مقبل كشاب على مباهج تفوقه الدراسي وما أهله ذاك لشغل منصب يفتح براتبه الشهري بيتا يضمهما معا في سعادة عشقتها فيهما المدينة بمن عرف فيها قصتهما التي ترددت على كل لسان بالاحترام والتقدير والإعجاب ، لكن هو يوم مقدر حل بتعاسة التصقت بكيانه ما بقي على وجه الأرض يمشي ، لقد اقترب صديق من جلستهما على عتبة باب زقاق تخفيهما من عيون عائلتها وخاصة شقيقها الأكبر العصبي المزاج غير المؤمن بالقلب و ما أحب
ويسأله الصديق
ــ من هذه يا صديقي ؟؟؟
يجيبه بنية سالمة
ــ شقيقة عمري . حليلة المستقبل . شذي عطري في هذه الحياة
… بعد شهرين بالتمام والكمال عاد من مدينة هو موظف حديثا في إحدى إداراتها العمومية ، عاد ليزف لها قراره بالتقدم لأسرتها طالبا يدها على سنة الله ورسوله ، وهو في الطريق يفاجأ بالجوقة النحاسية الخاصة بإقامة الحفلات الكبرى لإعطاء المناسبات رونقا بما تصدح به من عذب الألحان . كان يعرف كل أفرادها وطالما اصطحبهم لأي مكان هم قاصدوه للعزف . هذه المرة الأمر مختلف ، كلما تقدم نحوهم أظهروا له أنه غير مرحب به ، وكلما حملق في وجه أحدهم وجده يبكي ، حتى إذا ما ولجوا الزقاق الكائنة فيه دار حبيبته بدأت الحيرة تعلو قسمات محياه ، وبداخل نفس البيت الذي طالما منى نفسه لأعوام بالدخول اليه خاطبا حبيبة عمره ، دنت منه الخادمة وهي باكية تخبره أن الحفلة مقامة لزفاف شقيقة عمره بنفس الصديق الذي سأله من شهر فقط
ــ من هذه يا صديقي ؟؟؟
مصطفى منيغ

قصة فصيرة/7

لن أسمح ….
قال لها وهو متأهب للانصراف
ـ ستندمين حيثما كنت . ذكرياتي معك ستطاردك لتنغص عليك الحياة التي تختارينها بعيدا عني . ستتحول لياليك كوابيس تجتاح عقلك في صحوتك ، ونعاسك إن طاوعتك عيناك على النوم ، وأيامك إلى ملل ورتابة ما بعده إلا إلقاء نفسك من أعلى سطح ، لأعلى عمارة ، لأعلى مدينة فوق سطح البحر . أنا ذاهب الآن ولن تراني لانني اكتشفت أن اللإبتعاد عنك راحة لضميري وخلاص أبدي من عذاب سماع صوتك المزعج
… فجأة يفتح الباب وامرأة تخاطب الطبيب النفساني وأربعة من مساعديه الأشداء البنية الذين استقدمتهم لمصاحبة زوجها إلى مستشفى ا لأمراض العقلية بعدما اتضح لها أنه مصاب بمس خطير
ـ تفضلوا يا حضرات إنه هناك يخاطب " قطة " تخليها زوجته الثانية بعدي . تقدموا أيها السادة ، كبلوه جيدا حتى لا يفلت منكم ، خذوه لأرتاح من جنونه الذي زاد عن الحد
بينما الدكتور وأعوانه يتأهبون لجر الرجل الواقف يرنوا اليهم في تعجب وحيرة . قفزت " القطة " لتقف فوق رأسه وتخاطب الجميع .. وعيناها يتطاير منهما شرر غريب ومفزع للغاية
ـ ومن قال أنني سأسمح لكم بأخذ زوجي حبيبي ؟؟؟؟
مصطفى منيغ

قصة قصيرة /6


بحثا عن وجهين آخرين
تأليف : مصطفى منيغ
جلست تفكر بعدما أنهت من لحظة التفرج على كل الصور التي تركها خلفه ورحل، إلا واحدة سقطت من بين يديها على الأرض فتركتها حيث هي إلى حين، لم تنتبه من قبل لمدى تعلقها بشخصه وحبها الشديد له إلا هذه الأثناء وهي وحيدة في هذا البيت المحفور تحت الثرى البعيد عن صخب المدينة وحركة العصر القائمة على الإسراع بلا فائدة في كل شيء ، لكنها مع التفكير الذي طال بها لأكثر من ساعة ، تقر أنها سنة الحياة ، يولد المرء في هذه الدنيا ليتوفى يوما ما ، رحلة يقضيها، بنسب متباينة، مستيقظ الحواس ، وفي النهاية يغيب مع نومة أبدية إلى يوم النشور، سفرا يصرفه ارتباطا لما خلق من اجله ويحيا به لتدبير أشيائه الصغرى قبل الكبرى بخير يعود عليه أو شرا ، تنقلا يبتدئ بالفطرة مع الحكمة والانضباط لتتقاذفه بعد ذاك ، مع طول المسلك أو قصره ، المشاكل ، ليخرج منها منتصرا أو مهزوما ، يرتبط وسطه بأنثى (هي الباكية الآن عليه) ليصبح بها سعيدا أو شقيا ... فكرت في كل هذا وهي جالسة في ركن طالما جمعها به للمرح والحبور والنأي عن عناء مشاغل يومها ومفاجآته ذات الواجهتين ، الحسنة والقبيحة ، إحداها يتصاعد فيها دخان الحريق .. ينتشر أينما ساقه الريح ، والثانية ترك ما أتى به مجهود البحث نزولا لنزوة الصنف المنسوب على النار ، كما يظهر استثناءا فوق مضجعه طريح ... أجل، فكرت في كل هذا كما لم تفكر فيه من شهور خلت، متمعنة النظر في تواريخ تلك الصور غير العادية لتتذكر موقفا سمعته فيه يخاطبها
ــ ربما تكون هذه آخر مرة تراني فيها، فكوني رحيمة بذكرياتي معك
فلا تشعر، كمرة أولى، إلا ودمعتان تطلان من عينيها الزرقاوتين المشعتين لما يقارب لهيب النار، تنحدران على وجنتيها المصبوغتين بلون القار تارة ، ومستخلصات وردة أقحوانية تميل للشفق في نفس الآن ، وفي سقوطهما المتأني تذكرانها بإنسانية الإنسان حينما كان يتلمس الراحل مصدريهما بتلك الرقة والحنان ويربت حيثما ينزل السائل المالح قبل تبدده المحتوم بنبل المتربي على احترام مشاعر الآخر مهما كان صنفه ، ليطفئ ضمأ عودتها إلى شكلها الأصلي ومصيرها الطبيعي الذي لا مفر منه ، تحس ، كعادة غير مسبوقة بالنسبة لها ، بقشعريرة غريبة تزحف نحو دواخلها تمنت لو طال أمدها مهما اكتنف التناقض نفسها وجرها لعذاب الانسلاخ من جذورها ، ومع ذلك متيقنة هي بمدى الرعب الذي أصابها ليصل عوارضها مرغما إياها على الاصطكاك . كل هذا تتعرض إليه في ثواني معدودة قبل أن تتمد إلى رقبتها يد رجل تستدير لتراه فتصطدم برؤية زوجها الميت وهو حي يرزق من جديد ... ياللهول
ــ لم أكن أنا
ــ من إذن ؟؟؟
ــ آخر دفنوه أهله حينما ألقيت به أمام باب بيته
ــ لا تقل هذا رايتك من موقعي يغلقون عليك الصندوق ملفوفا بثوب أبيض وينزلونك في حفرة عميقة ثم
ــ هذا وجهه فقط، كنت تعشقينه فاستبدلت وجهه بوجهي، مثلك حينا استبدلت وجهك بوجه جميلة عشقها في صباه
طرقت برأسها نحو الأسفل فوقعت عيناها على الصورة التي سبق وأن سقطت من بين يديها حينما كانت تتفرج على كل الصور التي تركها الراحل خلفه، ومع تلك الانحناءة لأخذها تتمعن فإذا قدميه حوافر خيل ... فصدقته وطارا معا ليطفوا على سطح الأرض متعانقين بحثا عن وجهين آخرين
مصطفى منيغ

قصة قصيرة / 5

لا يطيق
مصطفى منيغ
قال كلاما أكبر من حجمه السياسي . ما أهمه أحدا ، فاللحظة انتظرها من مدة عساه يفجر ، ودفعة واحدة ، ما تكدس في صدره من كبت أرغمته القناعة ــ بما وضع له حدا للتعبير عن رأيه دون احتساب حوائج أخرى ، من حق أي إنسان التمتع بها ولو في الحد الأدنى ــ المضي عبر دربه المظلم، الوحيد المسلك ، يفلح في العثور عليه من يصفق بمناسبة وغيرها لأي خطيب حكومي ــ تبنى المنابر وتزين بالأعلام الملونة ــ يتفوه بكلمات حتى وإن كانت فارغة من أي فحوى يعادل ــ على الأقل ــ جهد ما بذل حتى حضر من حضر كديكور مكمل للاستماع
قال كلاما اعتبره خارج نطاق المسموح به ، تتجلى خطورته في التخلي عن الصمت كسمة تمسك بها طوال هذه المدة الممتدة لعقود خمس مضت
قال قولا ممزوجا بنبرة يحاول بها جاهدا تقليد صوت زعيم سمعه يعلن أيام الإنتخايات نيته في إقامة مطحنة صناعية داخل الحي الذي يقطنه تسحق الجور واللامبالاة والفقر ، وتحول كل شائبة مضافة إلى دقيق يشبع الأفواه الجائعة ، ويخرص السنة المضربين عن الطعام
قال ثم كرر ما قال إلى أن شعر بأنياب كلبه الأليف تنغرس في لحم ذراعه الأيمن الذي طالما حركها في انفعال وهو يقول ويزمجر
في المستشفى سأله الطبيب المعالج
ــ لما عضك الكلب وأنت تؤكد أنه كلبك الأليف الذي أطعمته بنفس اليد الذي أجهش عليها ليأكلها ؟ . لما تصرف معك هكذا ونحن نعلم أن الكلب صديق وفي للإنسان
ــ منذ أن تركته في عهدة جاري ضابط الاستخبارات إبان سفري لمدة شهر قضيته في دولة جارة . الغريب بمجرد استلامه ثانية أحسست بتحوله إلى حيوان آخر لا يطيق سماع حتى صوتي
مصطفى منيغ

قصة فصيرة/4

القول ثم الاختفاء
مصطفى منيغ
فكر في الماضي قبل المستقبل، فما أراد التسليم برصيده النضالي بمثل الخضوع وعدم الحصول على تعويض محترم ينسيه الأيام السوداء التي قضاها مكررا نفس أنين الألم، كانت الرغبة التي اجتاحته أقوي من أي عناد يكابر به كآخر ما تبقى له من تلك الإرادة التي طالما أظهرها لرفاقه في الحزب، حينما كان الحزب حزبا ، وأخيرا قبل بالأمر الواقع ، إذ لا مناص من خوضه التجربة الجديدة ، تجربة السكوت عوض إبداء الرأي، وطأطأة الرأس نحو المنحدر البغيض كأدنى حركة يعبر بها عن أي قناعة والمطلوب إبداؤها بابتسامة لا تفارق الوجه، ولتكن في مستوي إظهار العوارض مهما كانت أحوالها الصحية
مسكين ذاك الرجل الذي أسكنوا عقله أن البلد لا يمكن التقدم خطوة واحدة إلى الأمام دون إعطاء قادة الحزب المناصب الحكومية ، وأن لا تقل عن درجات الوزراء الحاصلين على حقائب ولهم دواوين ويكثر التلفزيون الرسمي من متابعة أنشطتهم الرائدة في تحريك كل متجمد فكرا كان أو عربة مصفحة مصوب فوهتها لصدور من يعارضهم ، إذ لا حق لأحد أن يعارض كما كانوا يعارضون ، المعارضة من اختصاصهم أحب ذلك من أحب أم كره من كره. مسكين هذا الرجل الذي وجد نفسه أمام قاضي محكمة خاصة للنظر في ملفه المثقل بسلسلة من التهم الخطيرة التي اقل ما يستحق عليها عشر سنوات سجنا نافذا . مسكين هذا الرجل الذي خاطبه من كان يرأس فريق توزيع المناشير في البوادي قائلا : غدا سيتحدث عنك التاريخ بصوت كالرعد ، وسيحييك الجميع تحية المكنون حبه في الصدر، ستأكل ما يرضيك من تفاح، وموز، وكرز، و كمثري، وبرتقال، وتين،وتمر، وصبار، وستشرب من السوائل ما يستغرب في تنوعها العقل والعين من ألوانها تحار، سكناك سيضم بستانا يمرح خاطرك داخله مرح الطاووس مزهوا في انتفاخه ، وحركتك لن تتم إلا وقوافل الحراس تزيح من قدامك المتطفلين الراغبين في التعرف عليك . غدا يا سيدي ستكون أنت، وأنت ستكون الغد.
مسكين هذا الرجل الخارج من السجن، ولا يدري أين يتجه سوي البحث عن محدثه من أعوام عشرة ، رئيس فريق توزيع المناشير في البوادي ، أول وهلة فرح ، لكن حينما منع من لقائه في تلك الوزارة التي أصبح الوزير المدلل فيها ، قرر البحث عن عمل شريف يبتدئ به حياته الجديدة ، فلم يجد غير وظيفة منظف لأدوار تلك الوزارة التي صديقه في الحزب، رئيس فريق توزيع المناشير في البوادي، هو الوزير فيها … ويفكر هل يقبل بها أم ؟؟؟؟؟؟؟؟.

قصة قصيرة /3

بيئتان متباعدتان
منزوية يراها على غير عادتها وفي ركن باهت من الحجرة متى أنهت واجباتها المنزلية من تنظيف، وغسيل، وطبخ، وترتيب ما استعمل البارحة ولم يوضع في المكان المخصص لاحتوائه حفاظا على المظهر الأنيق لعش الزوجية المؤسس من عهد حديث، انزواؤها بهذا الشكل المسيطرة عليه الكآبة لم يكن من شيمها في الماضي القريب، لقد تغيرت بالفعل منذ التحاقها للعيش معه في مدينة غير القرية التي عرفتها صبية. ويسألها في رقة وحنان
ــ ما دهاك يا خديجة ؟
ــ الصمت هنا يوهمني بالوحدة التي لا أطيقها أصلا. أين مني صياح الديوك مع كل فجر جديد؟، وخرير مياه الوادي القريبة ضفته من الربوة المقامة فوقها دارنا ؟ ، ونغم الناي الصداح بلحن معروف عازفه ؟ ، ونسوة يتصايحن وهن عائدات من رحلة جمع الحطب المنطلقة مع بزوغ خيوط النهار ؟ ، أين مني كل تلك الأشياء الجميلة الرائعة ؟؟؟
ــ والحل يا خديجة ؟
ــ لك بيئتك ولي بيئتي
ــ إذن هو الفراق ما تنوين ؟
ــ بالتي هي أحسن
ــ أبدا… لن أقبل أبدا
… وفي الغد وبينما هي غائبة نوعا ما مع تخيلاتها المرتبطة بالمحيط المشدودة إليه والذي تربت بين أحضانه تسمع خطوات زوجها ذات الوقع الرتيب متوجها نحوها متهالكا يبدو من شدة التعب وقلة النوم يجنح لنفس الأريكة ليلقي جسده فوقها عساه يغفو ساعة أو تزيد ليستعيد نشاطه كرجل البيت يأمر والمفروض أن يطاع، لكنها تدنو منه بغاية تكسير الصمت وخلق مناخ من المرح فتحاول التحقق من لون مقلتيه، يتركها تفعل، ومن عوارضه إن كانت كاملة العدد في فكيه العلوي كالسفلي، فيفتح لها فمه كما لم يفتحه من قبل، تتحسس شعر رأسه بكفيها الناعمتين لتتبين إن كان أملسا أم متجعدا، لا يضايقها ولو بحركة واحدة، وأخيرا تصفعه بشدة على خده المواجه لها مباشرة حتى سمع للضربة صدى تتماوج ذبذباتها لفترة وهي تتسارع في الولوج لكلتا أذنيه ولا تتوقف إلا بمشروع لكمة جمع لها كل قواه ليهوي بها على صدر خديجة زوجته فتسقطها أرضا ولا تمهلها على قيد الحياة إلا لتتفوه بالكلمات التالية
ــ الم أقل لك أننا معا من بيئتين متباعدتين
مصطفى منيغ

قصة قصيرة /2

الدمية
إذا رايتها خلتها واقفة تنتظر هادئة دورها في الولوج لنفس المكتب الذي حضرت كل السيدات المتواجدات ، وهن بالعشرات هنا ، من أجل وظيفة " المشرفة " على المعرض الذي تنوي الشركة إقامته قريبا
إن تمعنت في محياها تهيأ لك أنها فعلا هادئة تماما عكس باقي النساء المشار إليهن بسبب القلق الذي سادهن عن كيفية الإختيار التي ولا شك ستضع جمالهن مجتمعات في كفة وجمالها هي لوحدها في كفة
إن اقتربت منها ، وكان لك اهتمام حقيقي بها ، اكتشفت أنها بالفعل هادئة في وقت من جاورها من نسوة يكاد الانتظار يفجر ما حبسناه في صدورهن عبارات يطلقنا عياراتها النارية تصيب المشرفين على انتقاء نفس الواقفة " الهادئة " هناك .. بمجرد الإعلان عن النتيجة
الذي يحيرك حقيقة أن الجميع في تلك القاعة يتحرك وهي في وقفتها تلك متجمدة . وبغثة ، وبدون سابق إعلان ، تشارك بضحكة معتبرة تصدرها بتلقائية .. تشارك بها قهقهات الحاضرات .. وجميعكم تشاهدون منظر رجل خرج من نفس المكتب متوجها إلى الواقفة " الهادئة " هناك ليحملها بين ذراعيه ثم يضعها في ركن قرب واجهة زجاجية وجنب لآفتة كتب عليها : نرحب بكم في معرض منتوجاتنا … وهذه الدمية إحداها
مصطفى منيغ

قصة قصيرة /1

الرجوع إلى الأصل
حفر الزمان تحت جفنيها خندقين من هواء دفين مغطى بجلد صبغه العناء بلون الألم المحصور في عالمها الذاتي من سنين. كم مرة أرادت لوجهها مسحة من جمال مؤقت، فعمدت إلى المساحيق أحمرها وأزرفها وأخضرها وأبيضها… لكن السن يفضحها ككل مرة… فقد تجاوزت الخمسين حولا واقتربت من خريف العمر، ومع ذلك يبقى إصرارها العامل الأساس لخوض غمار اكتساب بعل في الحلال يقربها للتمسك بأي خيط مهما كان شبيها بما تنتجه العناكب لاصطياد قوتها من حشرات صغيرة تقع لحكمة مقدرة في كمينها المحكم الإعداد والعتاد، وهكذا إلى أن حل يوم تقدم نحوها شاب وسيم في مقتبل العمر طالبا يدها للزواج… قبلت دون تردد… فكيف لها أن تفوت مثل الفرصة التي حلمت بها منذ سنين طويلة ؟؟؟. مر كل شيء في لمح البصر… وآخر الحفل حملها بين ذراعيه رغم نحافة جسده وامتلاء بدنها صعد بها سلم الطابق الثاني من الدار ليلجا آخر المطاف غرفة الحلم التي داخلها وقع ما لم يكن في الحسبان أبدا، لمحت وهي تتمعن في شخصه وهو جالس مقابل لها أن أذنيه تتصاعدان بشكل غير عادي، والأخطر من هذا أن قدميه مختلفتين شكلا وحجما عن قدمي إنسان، ومن عينيه ينبعث شعاع يصيب الناظر إليهما برعب لا يوصف. وبدل أن يغمى عليها تتوجه إلى النافذة المطلة على الحديقة وترمي بنفسها عساها تنجي من ذاك " الشيء" وبأغرب من الخيال وجدت نفسها بين ذراعيه وهو يهمس في أذنيها
لن أتركك تغيبين عني لحظة واحدة
شكر احمد زوجته عتيقة وهي تقص عليه هذه الحكاية الغريبة و ترجاها أن تخبره بمآل المرأة وما كان مصيرها فيما بعد ، أجابته بطيبة خاطر قائلة
رضيت بالأمر الواقع وعاشت معه إلى أن رزقا بطفلة جميلة ، كبرت وتزوجت منك يا عزيزي
لم يفكر طويلا بل قفز من أول نافدة في الحجرة وبدل أن يضع حدا لحياته بما أقدم عليه بنية الانتحار وجد نفسه بين ذراعي زوجته " عتيقة " وهي تقول له مبتسمة
لن أتركك تغيب عني لحظة واحدة
مصطفى منيغ

Monday, February 09, 2009

لن تحصدني لأني زرعتك


ما جد في الجدة وجدة
بقلم : مصطفى منيغ
الحلقة الأولى
كنت ساعتها أدرك أن السياسة التي لا يفرق أصحابها رائحة البيض الفاسد عن رائحة الأقحوان سياسة آيلة لتصبح وبلا فائدة في خبر كان ، ومنذ ذاك التاريخ والعبد لله يعايش قفزات ظن أصحابها أنهم بها دخلوا أمجاد السرك المتنقل بين وجدة والرباط ، فكانت النتيجة أن تحولوا من أشباه للكواسر إلى صور متحركة رسمتها الأيادي المعلومة بالطباشير المتواضعة الجودة والثمن
قد تكون مدينة ما لعبت دورا حاسما في حياتك فترتبط بها ارتباط الخيال بأمنية لن تتحقق ومع ذلك تجر الأمل جرا لطيفا ليلازمك ولا تعبأ إن كان الدهر يسخر منك أو سيساعدك لتكتشف ذات يوم أنك أخطأت المكان حينما اخترت فيه المقام ، أم هي مجرد حكمة كلفك فهم مكنوناتها ما نزع من عمرك طيلة أعوام وأعوام .. هذا إن كان الحادث مرتبطا بمدينة ، أما بتخطيط أنت المسؤول عن بدئه فيها ، فذاك شأن آخر .. وأصعب الأمرين ثالث لا مناص من الاعتراف به مادام يفضح عواطفك حينما جرك التيار، لتنأى عن مرتع صباك وما استأنسها شبابك من ديار، لتصل إلى هاهنا وتنشد بسببها الاستقرار. بالفعل كانت " وجدة " بشعبها أما حنونا على المغرب الشرقي الممتد " حاليا " من بني ونيف، الممزوجة بمدينة فجيج إلى " بور سعيد" المعانقة لمدينة " السعيدية " ، لكن ومنذ السبعينات انقلبت ( بسياستها) وهما أصاب ما حولها من أرياف وحواضر، اصطلح على تسميتها بالجهة ، وهم مشابه للسراب الذي كلما دنى منه الظمآن لجرعة من حرية يتلمسها أو ديمقراطية حقة ، أحس بقشعريرة اصطنعها لملاقاة كيانه الخوف قبل أن يتبدد كأنه ما كان سرابا بل صورة لشيء عكسته مرآة الواقع لحظة ثم هرب ، أو مجرد تخيلات تلازم الممعود بأكثر من لون ، لا خيرة فيها إلا ما تضاعفه من حزن يلحق أكبر عدد من المتضلعين في فهم الحقائق عساهم ينتهوا حيث زنزانات السجون المستعدة لاستقبالهم بكوا أو كانوا يضحكون. كانت وجدة برجالها الأشاوس ونسائها الشريفات في الظواهر والأسس ، البسطاء منهم كالأثرياء ، كرم ، كلمة وتدبير ، نخوة وحياء ، قوة ، عزة وكبرياء ، فطنة وذكاء ، وبهذا ظلت حدودنا مصانة ، وسمعتنا كاللؤلؤ في الصفاء و اللمعان ، وما ينبعث منا من أقوال وأفعال يصل للطرف الآخر كشذى الأقحوان . كانت أحزاب معارضة بالفكر النظيف والصائب من الصواب ، كانت البرامج موضوعة هنا بالعقلية الوجدية ، والاختيارات الوجدية، وحسب الأولويات الوجدية ، لا كما أرادها زيد أو عمرو ألفا معا جو الرباط ، وكرنفال الرباط الناتج عن سياسة مهتمة بالمركز وليس بالبعيد من النقاط
كان الراحل عبد الرحمن حجيرة في فاتح ماي يصل حد بناية مقر العمالة ويصيح بكل قول صريح ، والسيد الدبي القدميري يطل عليه من شرفة مكتبه متأثرا لا يصدق أذنيه ولا عينيه الشاخصتين في السيل الهادر يسبقه صدى غضب الشعب الوجدي المتفجر. الذين يعرفون محمد الدبي القدميري(عامل إقليم وجدة السابق) يعرفون الأسلوب الذي كان زمانه متبع، وأيضا يفهمون عمق ما أود شرحه دون إطالة عن الموضوع. فأين عبد الرحمن حجيرة من تلك الأيام وقد تحمل مسؤولية جماعة يقال عنها ما يقال اليوم.؟
كان " بوكربيلا "ومن معه داخل حصان طروادة ، كأنهم في حالة يغلب عليها النضال بالأظافر والضفائر، في وقت ارتبط الآمن المحلي بالسيد محمد بناني . الذين عايشوا هذه المرحلة قطعا سيعرفون الكثير من الأسرار المتعبة منها والمريحة، وأسماء سادت ثم تكاد بالكاد تذكر، فما الذي تغير ؟
كانت الإذاعة الجهوية ترحب بمن رغب فيه السيد عمر بن الأشهب متحملا المسؤولية في شجاعة نادرة ، وما تعرض له مع بعض عمال الإقليم المسيطرين آنذاك حتى على نغمات ناي مغبون، ينقله عبر الأثير الميكرفون ، أحسن دليل واسطع برهان أن وجدة زمان كانت مع الأصيل المبدع ، والفقيه الورع.
ساعتها أدركت أن السياسة التي لا يفرق أصحابها رائحة البيض الفاسد عن رائحة الأقحوان، سياسة آيلة لتصبح بغير فائدة في خبر كان، ومنذ ذلك التاريخ والعبد لله يعايش قفزات ظن أصحابها أنهم دخلوا أمجاد السرك المتنقل بين وجدة والرباط ، وكانت النتيجة أن تحولوا من أشباه للكواسر إلى رسوم متحركة رسمتها الأيادي المعلومة بالطباشير المتواضع الجودة والثمن ، ما تلمس أفكارهم حتى تخالها غبارا يتطاير ليصبح سرابا تفرع في إيحاءاته إلى ضباب يغري توابعهم بملازمة الاكتئاب، ويا حسرة على تلك الأحزاب التي مرغت سمعتها في التراب فغدت فروعها هنا في مدينة وجدة يتملص عنها أعضاؤها، كان القائمون عنها مخطئون أو على صواب ، فقد عر الزمان كل شيء بلا تردد، وأصبح الرأي العام الوجدي إلى معرفة المزيد من الحقائق مشدود . وامتثالا لهذه الغاية سأقص ما جرى منذ البداية، ولي في الاتكال على الله الحي القيوم التوفيق والهداية
1/ الإعلام المحلـــــــــــــــي
كانت وجدة صامتة عن أي نشاط إعلامي محلي يعبر بجدية عما تختزنه من مواهب في مختلف المجالات ومنها الفكرية والثقافية بوجه خاص، بل وما رسخ فيها من إمكانات إبداعية لم تكن تقل عن نتاج فاس، أو تطوان، أو القصر الكبير ، أو الرباط، أو مراكش، إن لم نقل أنها تسير في خط موازي له، نثرا، وشعرا ،ومسرحا، وأدبا بكل تخصاصه . كانت وجدة صامتة إلى أن كسر هذا الصمت مصطفى منيغ بإصداره جريدة اختار لها اسم : "الحدث" . جريدة أرخت لنشأة الصحافة الجهوية بالمفهوم الإعلامي الهادف إلى خدمة الرأي العام المحلي والجهوي بما يسهل عليه التوجه في مواقفه المبنية على المعرفة الصحيحة لمجريات الأمور لنصرة من يستحق المناصرة، وأخذ الحيطة والحذر ممن يستوجب الفاعل. وهكذا عرف العدد الأول من جريدة " الحدث" النور في شهر ماي من سنة 1978 متضمنا افتتاحية عنوانها " المهم والاهم وأهم الأهم" ذكر فيها كاتبها مصطفى منيغ ما يلي
ــ خدمة للكلمة النظيفة ، وتعاملا مع الفكر الخلاق ، نضع هذه الصفحات المتواضعة بين يديك عسى أن نخرج معا بصحيفة همها الأوحد ثقافة مبسطة للتعامل اليومي بين أفراد المجتمع ككل من جهة ، ولنعبر عن أحاسيسنا بلغة وجدان ينأى في تحركاته عن الأفكار المستوردة ، لتأتي الصورة وفق ما ورثناه من تراث حضاري لا يحصى إلا بالعمل الجاد المثمر البعيد عن الميل الأعمى لتقليد خرافات لا تناسب التاريخ الطويل الذي جمع أمجادنا وقيمنا ومواقفنا البطولية في قالب مميز طبع على جبين كل مغربي ارتبط اسمه بهذه الأرض الطيبة التي حباها الله سبحانه وتعالى بمناهل عرفت على مر الأحقاب والعصور بمنارات يشع منها نور العلم والعرفان . هذه في كلمات فلسفتنا في العمل ، فمن أحب المشاركة فالباب على مصراعيه مفتوحمصطفى منيغ
وجدة : ماي1978


Sunday, February 08, 2009

لن تحصدني لأني زرعتك
تأليف : مصطفى منيــــغ
للنسيان ، متى شئنا ، خلاص وهروب مما عشنا مرحلة أو جزءا ضئيلا من عمر يطول أو يقصر لا فرق ، ومتى أدركنا بالفاعل، نضحك على أنفسنا ما دامت الذاكرة قادرة على استقراء ما كتب من أيام مرت علينا أو مررنا عليها بحلوها ومرها . نشيخ وما عدنا نستحمل صورة ما يتجول حيالنا أو بالقرب منا لأسباب عديدة ، منها ما يؤلمنا الإقرار به ، ومنها ما يجعلنا مسخرة تتحرك بلا أي اتجاه، وساعتها نتذوق عذوبة الماضي ونتعجب من سرعة حدوث ما حدث لنا ووقوفنا على الحقيقة المعكوسة كما كانت دوما بالنسبة لنا نحن الفارين من بهجة الدنيا ولعنتها أيضا لمعانقة أهداف شابة جديدة تغرينا للمشي الطويل حفاظا على الرشاقة دون أن ندري أن جسدنا لم يعد يحتمل ، فلو كنا كهؤلاء الذين احترمتهم دولهم المقدرة لحقوق الإنسان متى بلغ عمرا مشابها لعمرنا ، لمنحت لنا الفرصة لنتجول جولاتنا الأخيرة فوق أديم البسيطة قبل أن يضمنا ثراها وإلى يوم النشور، لكن هو الحظ الذي قذف بنا إلى حيث حرقنا طاقاتنا من أجل ضياع وقت ( حسبناه لمدة أننا ملأناه حينما أخلصنا للوطن وأدينا الأمانة على أحسن وجه ) نتعجب ممن لايكترث إلا بما حصدته يديه من غنائم وما عدا ذلك غباء متروك لمن كان على شاكلتنا مكرس على طبيعة الأحداث المصطنعة بحنكة ودراية تبتدئ كما تنتهي "مصلحة"تدر على صاحبها منفعة البقاء في نفس المقام ، جلس زيد أو عمرو قام. هو الاختيار اللامحسوب بدقة فرضته (لحد بعيد) تلك الوثبة من ضفة لأخرى ساهمنا كجيل في الانتقال إليها بغير تدريب لمواجهة صروف شغلتنا عقدا بعد آخر لنجد أنفسنا آخر المطاف أننا زرعنا وتعبنا ليحصد خيراتنا من حصد بغية اكتناز ما يقيه من إدراكنا للحقائق ، فلا نجد ساعتها غير مسلك حمل الشعارات الجوفاء في أوقات مخصصة لقيلولته داخل أماكن معزولة من ضجيج أصواتنا المجروحة بفوات الأوان ، ولا يبقى لنا إلا أن يجرفنا النسيان لنصبح "كان ياما كان" على ألسنة فلان وفلان مما سيضحك عليهما الزمان حيثما اكتشفا أن أبواق الخدمة بالمجان ، مصير نافخيها الخذلان فالهذيان وإتباع مصير مياه الوديان
للنسيان نعم لا تقدر إلا بقيمة الراحة النفسية ولو مؤقتا ، جميل يفعل حينما يبعدنا عن تلك اللحظات التي لو قدر لنا تصحيحها لتوجهنا بها إلى نضال حقيقي تتوضح على مجراه الرؤية " حجر الزاوية " في حماسنا لنكون المثال الحي لمن أراد العيش وهو سيد نفسه في كل شيء، بدل صرف عرقه على أمال تائهة مع سياسة تكرس المزيد من رضوخ مبطن بآلاف الحكايات المروية بإتقان عجيب تقرب المسافات بين تخدير العقول ورفع الأيادي بالموافقة على أي شيء بلا مناقشة ما دام الزعيم قد وضع الخطة وأقرها وهو على أتم الاستعداد لينفذها متى اكتمل الديكور المصبوغة رسومه بموافقة الأقلية أو معارضة الأكثرية
للنسيان حجاب سميك يقصي التفكر من متابعة مسافات التعمق بحثا عن دليل يقنع النفس بالعودة لمجرى ما فات سعيا خلف لحظات راحة من رتابة " الآني" وسخافة نتيجة اختزلت عمرا كاملا من التعب والكد والاجتهاد، حجاب ما اسعد البعض به وما اشقي البعض الثاني به أيضا . إن اقتحم من كان انتسابه للفريق الأول خيوطه بإصرار مكلف للغاية ، فذاك انتصار مغلف بالحسرة عما مضي آخر المطاف ، وإن وقف من كان من الثاني على حد التمعن في عنوان مدخل ستائره يبكي حظه التعيس، فالأجدر أن يشكر عقله الذي شاخ ونأى بصاحبه جانبا يلتمس حسن الختام بالتي هي أقوم وسط القوم
للنسيان بلسم متى مس الذاكرة أبعدها كي تظل مرتاحة لما أوصلتها إليه الشيخوخة من استرخاء يرفض صداع لحظة سعادة هائمة على وجهها منذ عقود على أمل الالتصاق من جديد (ولو مؤقتا) بوجدان إنسان انشغل بها ذات يوم من عمق تاريخ لم يعد يتحكم في مجراه وما يكتنزه ليوم الحساب الأكبر، وما ظن بعدها أنه واصل لطرق باب الحزن الذي ما إن فتح حتى ابتلعه ما بالداخل من إجهاد لاكتساب ما يقيه الخصاص
للنسيان غبار يتعالى تلقائيا بلا زوبعة ولا ضوضاء متى شاء إسعاف رجل من العودة ثانية إلى استحضار مواقف حكم عليها بالجوفاء لا تساوي رمشة عين من وقت ضائع بالأحرى ما عمر من أجلها من سنين انتهت إلى التمعن من جديد في جدوى وقائعها المشابهة لامرأة زينها اللباس والمساحيق والعطر السخي لتبدو حسناء فاتنة كل ليلة من ليالي الانصياع لسياسة الولاء للوطن لا يتم إلا بتقشف الأغلبية التاركة حفنة من البشر تتنعم في سخاء حتى تنتفخ في اقل رتبة منهم البطن ، ومتى طلع الفجر وانكسر الظلام ذابت بين القصور هنا أو هناك، والحناجر لا تكف على ترديد نشيد الغباء بلحن مكرر ملته الأسماع وما باليد حيلة فالمرحلة تتطلب مثل التصرف والمساكين حجبهم الولاء للوطن عن رؤية المستغلين الحقيقيين لهذا الوطن المظلوم مثل الأغلبية الصامتة لحد الساعة للنسيان بركة ظاهرة لمن ينفذ ببصيرته لوسط مسلك (من خصوصياته محدودية السماح بذلك) مفعم بالخير، محصن بالتقوى، مقوى بالإرادة الصلبة . بركة تنأى بالنفس النقية عن الندم والحسرة والقلق، وتقربها إلى الاحتفاظ أكثر فأكثر بقابلية التغيير من أجل استمرارية القيم النبيلة ، والأعمال النظيفة ،والتسجيل النير بما سطر فيه من حقائق أساسها منح النموذج الفاضل كسبب من أسباب تواصل الأجيال لنشر سماحة العقيدة كأسلوب لتعمير أزيد استقرارا وتلاحما مع وقائع الحياة كما أرادها الخالق وليس فلسفة مخلوق كيفما كان شأنه أو منصبه ضمن طليعة أقامها من ادعى الذكاء من عباد لا عمل لهم إلا استغلال المناسبات مهما كانت الوسائل المستعملة لإقرارها مواعيد تكرس حال بعض القضايا المضغوطة بمشاكل مفتعلة لا تبشر بنجاعة المآل
للنسيان شروط ثلاث بدءا بتنازل المنعم به عن كبرياء الأمس البعيد كالقريب على حد سواء حينما كان وحيثما تبوأ، فالتطلع لما بقي له من أنفاس يصرفها على التبرؤ في السر والعلن عما بدا منه لحظة كان يحسب له ألف حساب ،واختتاما بالاعتراف أن الدنيا بما فيها من متع وجمال لا تساوي رمشة عين من رضاء الضمير
Mustapha Mounirh Mounirh

Thursday, October 02, 2008

تهنئـــــــــة
بمناسبة عيد الفطر السعيد أقدم أسمى عبارات التهاني والتبريك لكل حامل لواء الإسلام في أي بقعة من العالم ، العاملين بتعاليمه السمحة الداعية للإخاء والأمن والسلام،، المتمسكين بعروته الوثقى الرامية إلى الوحدة وعدم التنافر أو الخصام ،، المؤمنين أشد ما يكون الإيمان بكل ما جاء به سيد الرسل والأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم .. متضرعا إلى الباري الحي القيوم جل وعلا أن يكون هذا العيد منطلقا لبداية نهضة إسلامية تشمل المجالات جميعها بما فيها تحرير الأراضي الفلسطينية العربية المغتصبة، لترفرف بالعز والكرامة راية السلام ناشرة الود والتفاهم، فوق جميع الأرجاء على امتداد الاتجاهات الأربع

مصطفى منيــــــغ
m.tetouan@yahoo.es

Saturday, September 27, 2008

من تطوان

الصورة: مصطفى منيغ قبل بداية الرحلة نحو اليونان بأيام يتجول في مدينته العريقة " القصر الكبير

إلى اليونان

الصورة . مصطفى منيغ أواسط الثمانينات في "أثينا " عاصمة اليونان يتمعن في النسخة من جريدته " الشعب " التي طبعها في تلك الديار الإغريقية باللغة العربية

من تطوان إلى اليونان

من تطوان إلى اليونان
بقلم : مصطفى منيغ
الفصل الأول
تتهاوى الصور الواحدة تلو الأخرى ، فقط الرؤية المنقوشة في الوجدان تبقى به ، تدغدغ الأحاسيس الدفينة داخل ذاكرة تحاول استخراج ما ظل " مختبئا" في سلام ينعم الخاطر كلما أحببت التنزه على مسير العمر الملآن بما عز وطاب من قطوف حلو المذاق رهيب الهضم بلغة الواقع والعقل . والقصر الكبير هذا الشيخ الوقور بأطرافه المغطاة بحارات " باب الوادي " ، " الشريعة " ، و"المطيمر"، والمرقعة " بالسويقة " ، و" سكرينيا " ، و " المزيبلة " ، و " سيدي بلعباس " ، و " القطانين " و " الباريو حارة " ، و " دار الدخان " ، و " سيدي عيسى ين قاسم " ، و " المرس " ، وعشرا ت الأزقة والحارات والساحات البالية الضاربة في أعماق التاريخ ، والقصر الكبير هذا الشيخ الوقور الذي عشقه الإنسان منذ القدم ، مذ عرف حكمة الانتشار في أرض الله الواسعة ، فجاء حتى الإغريق يمشون فوق أجمل منهل يخططون بأسلوبهم الفلسفي ما عرفه " الوادي الجديد " من رسومات وبقايا ما زالت ظاهرة لمن أراد الغوص في الأعماق ، أعماق الأرض بعد اجتياز المياه الطافحة فوقها . لا أدري لما لا زالت تلك الكلمات التي فاه بها ذاك الفقيه الذي تتلمذت على يديه في المدرسة الأهلية الحسنية محدثا الأطفال في مثل سني آنذاك عن الإغريق والقصر الكبير ؟. ربما التصقت بأفكاري ولم تبرح حتى كتبت في أجمل بقعة من عاصمة اليونان ' أثينا ' : " من هنا مر رجل ينتسب إلى مدينة القصر الكبير" ، بل لم أغادر أرض الإغريق حتى احتفظت الخزانة العامة اليونانية باسم القصر الكبير مطبوعا في مجلة موضوعة الآن في إحدى الرفوف المخصصة للصحافة اليونانية وبها مقالاتي باللغة الإغريقية ذاتها . من مدينة تطوان انطلقنا نحن الثلاثة صهري ، ابن شقيقي يوسف ، والعبد لله . الأول فينا هدفه ابحث عن العمل ، والثاني الالتحاق بالمملكة الهولندية حيث له فيها مقام وأهل ، أما أنا فكانت وجهتي الاتصال بدور التوزيع الأوروبية لنشر جريدة كنت أنوي توسيع حضورها في أكبر عدد من الدول شرقا وغربا . الأخوين معا لم يكن معهما من المال ما يكفي لتغطية مصاريف الرحلة فتحملت وحدي الأعباء وما أثقلها خاصة في بلاد لا رحيم للانا فيها سوى الله العلي القدير ، علمت بهذا ونحن في باريس(فرنسا) نقيم في فندق تملكه أسر ة هندية ، حينما حدثني صهري برغبته في العودة إلى المغرب ، فقد أضناه البعاد عن أهله ، و أشقاه فراق من يحب ، وعجبت من رجل في مثل سنه وقوة جسده يتمرغ في أرض الغرفة باكيا وبأعلى صوت طالبا مني تلبية رغبته في الالتحاق بالقصر الكبير وفورا . فكرت جديا في مساعدته، لكن البقية من المال لم تكن كافية لأداء ثمن التذكرة وعليه الانتظار حتى أتدبر الأمر ، فلي من المعارف والأصدقاء ما إن احتجت منحوني ما أريد ، لكنه اقسم باكيا بالانسحاب فورا . الحقيقة أنه عمد إلى ذلك ، وقد سولت له نفسه أني أخفي المال عنه عمدا ، وهنا تيقنت أن الرجل لم يأت بنية البحث ع ن العمل وإنما للفسحة والاستجمام على حسابي الخاص . فاخترت الخروج من ذاك الفندق رغم قساوة الجو ، وبلوغ المحرار درجة تصطك على إثرها العوارض . لم أجد حبالي وأنا أتجول في الحي القريب من محطة " ليون " غير ولوج مقهى لجزائري تعودنا احتساء أكواب سائل البن الساخن داخلها ، وهناك رأيت موقفا أثر في نفسي وصدمني أيما اصطدام ، بل جعلني استيقظ من غفوة حجبت عقلي ، فيما مضى ، عن حقيقة مرة : الإنسان يضعف أمام أول امتحان يتعرض له حينما يكون مطالبا بالإفصاح عن أهدافه الحقيقية ليس بالكلمات فقط وإنما بالأفعال . كان صهري سامحه الله، من نوعية لا تدرك أن حبال العلاقات الأسرية الهشة لا تستحمل القفز بعنف وقوة، وأن الإنسان القوي هو المتجلد ساعة الشعور بجدية الموقف. وأن الرجال بما يحملهم الوفاء من مسؤوليات جسام يسيرون بها حيث السير . لقد رأيت بالمقهى صهري وابن شقيقي يتفقان ضدي ومعهما إنسان ثالث وهم ينسحبون أمامي عيونهم جاحظة صوبي ، وكأنني ما ضيعت عليهما مالي ، ولا تحملت من أجلهما مشاقة التخلي عن أشغالي ومشاكلي الشخصية ، ولا تقاسمت معهما طعام الأيام الطويلة في بلا د الغربة الذي دفعت ثمنه من عرق جبيني . كل هذا تبخر في لحظة ، ولما ؟ ،لأن الشوق كان أقوي من عضلات صهري، الشوق لأزقة القصر الكبير ولا شيء آخر على الإطلاق. لم أستحمل هذا في بداية الأمر، لكن الآن التمس الأعذار لنفس الشخص بالرغم مما سببه لي من مضايقات ، وبالرغم مما تفنن في صرده من حكايات فرا من عدم تحقيق ما وعد به أسرته الصغيرة من الحصول على عمل بإحدى الدول الغربية وجمع ما يؤهله ليصبح في مدينة القصر الكبير صاحب مشاريع كبرى . أسامحه بقلب لم يعرف الحقد على أحد أبدا، وبعقل لم يخطئ قي حق إي كان من الأسر ة إطلاقا . ألتمس الأعذار لنفس الشخص لأني بسببه وقفت على حقيقة أخرى : ان ضعف الإنسان ،أمام أول امتحان، من صنف ما نتحدث في شأنه الآن ..أساسه حب أو كراهية، خير أو شر ، صواب أو خطأ . وموقف صهري معي في باريز كان أساسه حبه الشديد للقصر الكبير ، والخير يتجلى في تمسكه بهذا الحب ، ومع ذلك لم يفكر ساعتها أن الحب يكبر ، يترعرع ، ويستمر بشيء ضروري للغاية ، بالعمل على كسب " اللقمة " التي أحيانا تغيب في هذه المدينة لمهمشة عن ظلم لتتواجد في مكان آخر ، والابتعاد عن أشياء نحبها ليس معناه التخلي عنها ، من يحب يسعى لإسعاد المحبوب ، وأي سعادة يشعر بها القصر الكبير حينما يستقبل بين الفينة والأخرى ، أحد أبنائه وقد أضاف لمعالمه معلمة أخر ى يسجلها تاريخ المدينة بحروف الفخار والاعتزاز ( يتبع

Thursday, January 31, 2008

مسرحية في أربعة فصول من تأليف : مصطفى منيغ

الحيـــــــــــــــــدان
الفصل الأول
المشهد الأول

يرفع الستار على قاعة تعذيب في سجن شيد تحت الأرض ، جدرانها مصبوغة بما تسلط عليها الإنارة بأضوائها المشكلة من الأزرق والأحمر والأصفر ما يبهر العين، وما يوحي أن المكان لا منفذ لنور السماء الطبيعي المصدر إليه أبدا ، مما يؤكد انعزاله عن الحياة البشرية المألوفة بالقاعة المغطية مساحة الخشبة بأسرها ، مجموعة من الرجال وامرأة واحدة ، كل في وضعية نظهر قسوة ما يتعرضون إلي من تعذيب وحشي سافر ، لا يقيم للعدالة وزنا ، ولا للشريعة حسابا ، أحدهم معلق من رجليه وتحت رأسه إناء يكاد يملأ بسائل أحمر إحاءا لدم ينزف من كل بدنه، وآخر مربوط لمقعد حديدي وعلى صدره بقايا كي بالنار ، وآخر معصوب العينين ملقى على الأرض لا يترك إلا بصعوبة شديدة ، وهكذا (…) إلا المرأة واقفة كتمثال متجمدة في مكانها تماما.
المشهد الأول
هو.. النائب.. الحراس..السجناء
صدى باب حديدي مهيكل يعالج مزلاجه بالمفتاح ، وخطوات مسرعة الوقع أصحابها يتقدمون في انتظام حتى إذا ظهروا اتضح أنهم حراس المكان (داخلا وخارجا) من لباسهم الموحد القاتم اللون ، إلا واحدا منهم لباسه أحمر يتأبط سوطا جلديا يرافق جنبا لجنب من "هو" الرئيس ،أو الحاكم، أو أي شيء من هذا القبيل، القادم لتفقد الأحوال غير مكترث لما مثلت أمامه من أجساد كاد الصبر والإجهاد يقضيان عليها ، وكأنه في نزهة للترويح على النفس وليس في حيز لا وجود داخله لأي شفقة أو اعتبار لإنسانية بني آدم .
هــــــو: ما شأن هذا؟.
النائب : لم يدفع الضرائب.
هـــــو : وهذا؟.
النائب : أشاع عنا وعنكم الكلام الغريب.
هــــو: وهذا؟.
النائب: امتنع عن الحضور، وفضل اللجوء لمن معهم على زماننا يدور. ضبطناه وهو غير بعيد عن الشروع في تنفيذ أولى فقرات الترتيب.
هـــــو: وهذا ؟.
النائب: تخيل نفسه عنترة بن شداد العبسي وبسببنا فقد "عبلاه "فنستحق الاستئصال الرهيب .
هــــو: أكل هذا يقع وأنا لا أدري.
النائب: بل تدرون أننا مثلكم ندري ، وإن رغبتم أن لا ندري أنكم تدرون أننا لا ندري بالرغم من أنكم تدون أننا مثلكم ندري فالسمع والطاعة لكم سيد الأسياد .
هــــو: لا يهم أن أدري أنكم مثلي تدرون، المهم أن ادري أن إخلاصكم لي في عروقكم يجري. و…
النائب: (يقاطعه في تملق مكشوف) إلا " إلا" تيك يا سيد الأسياد ، فلن نصل لما بعدها ، ومن لغيركم تخدمهم بنتف رموشنا.
هــــو:لا أريد خدمة رموشكم، بل عقولكم وقلوبكم وكل ما يختمر في جوانحكم. هل فهمت أيها النائب ؟.
النائب:لم تسألونني عن المرأة يا سيد الأسياد ؟.
هــــو: ما دامت هنا وليست بعيدة عن حضوري فهذا يكفي ، وإن غابت ساعتها أسأل وعليك الإجابة ، إن أخطأت الإقناع ضربت عنقك بالسيف اللإلكتروني . أهذا واضح أيها النائب ؟.
النائب: وأكثر يا سيد الأسياد.
هــــو:(يهم بالإتصراف لكن النائب بإشارة مهذبة يوقفه للاستفسار) ما الأمر ؟ . أتريد ترقية، أو منفعة أخرى لك ولحيواناتك.؟
النائب: أوامركم ما أبغي عن مصير هؤلاء السجناء؟
هــــــو: استفسر الطبيب البيطري الخاص بي إن كان لحمهم لا يؤثر سلبا على أمعاء كلابي الخاصة بي ؟. إن تحمل مسؤولية تبعات عكس ذلك فهم أولى من تماسيح المستنقع أو دود الأرض.
تنزل الستارة عن المشهد الأول
... إلى اللقاء في المشهد الثاني
مصطقى منيغ

Thursday, January 24, 2008



هاجر ليتذكـــــــــــــــــر
بقلم مصطفى منيغ
كثيرا ما انتبهت إلى تحريف مقصود طال ذكرى الرواد الأوائل من المهاجرين بعد استقال المغرب لديار الغرب ، وخاصة هؤلاء الذين انتهت بهم الرحلة / الحلم ليستقروا إما في هولندا أو بلجيكا . كأن القصد من التحريف ، طمس بصمات ظلت محتفظة بأعمال كبيرة أصاب بها أصحابها هدف تقريب معالم الحضارة المغربية لعموم الشعبين الصديقين في الدولتين المتجاورتين ، تقاوم الجحود والنسيان ،لتصل الذروة في التسابق لشغل مناصب تخص الجالية مؤخرا كرغبة من السلطة لخدمتها خدمة خاصة لا علاقة لها لا بمصالح هذه الجالية لا هم يحزنون ، وإنما لتركيب إطار في واجهة تعرض(من خلالها)اهتمامات جلب زبناء يبتاعون السراب بعملة مشتقاتها من الصعب الأصعب. وقد قالها الصديق التطواني كلمة لا زالت ترن في أذني حتى الساعة : لن ينصفك التاريخ ولو اشتغلت لصالح بلدك في المريخ . كنت ساعتها ، وثلة من الإخوة الشرفاء نسمع ما يقال عنا في مقاهي أطريخت ، أو بعض المصانع ،أو مقرات عملنا هناك كلما نشر خبر عن حادث ما أحد المعنيين فيه مغربي الجنسية أو عربي عموما . نسمع ونتأثر ، ونجد أنفسنا مشلولين عن حركة نظهر بها أننا من أمة ذات حضارة مشرفة ، فلا نجد غير الصمت والانصراف كل إلى مشاغله تحقيقا لذاك الحلم الذي راودنا قبل الرحيل من المغرب ، المبني على امتلاك حياة أنعم وأطيب من حياتنا داخل أوطاننا أو هكذا تهيأ لنا صراحة . شخصيا لم يكن يرضيني البقاء مطأطأ الرأس كالمغلوب على أمره غير قادر على الرد المؤثر بإظهار وقائع مساعدة وبأساليب متحضرة جد مقنعة أننا عكس أية صورة مغلوطة يريد من يريد إبرازنا بها ، الفاعل الذي عادى بي لليلة من التفكير قضيتها مستيقظا ساعدني عملي كموظف استقبال في نزل "سميس" الشهير التقيد بها ، أن اخرج بفكرة ما كدت انهي عملي ذاك حتى توجهت لمكتب الدكتور "باوس" المحامي المستشار في وزارة العدل الهولندية آنذاك طارحا عليه فكرة تأسيس جمعية تعني بشؤون المهاجرين المغاربة ، مقترحا عليه في نفس الوقت أن تحمل اسم جمعية الصداقة المغربية الهولندية للمهاجرين المغاربة في "أطريخت". لم يستحسن الفكرة فحسب بل هيأ لها (من تلك اللحظة) كل أسباب النجاح بجعل نفسه مشاركا مباشرا في تسيير شؤونها الإدارية بالدرجة الأولى وبهذا لم يمر أسبوعا واحدا إلا والجمعية قد أصبحت واقعا ملموسا ، وملجأ آمنا للإخوة المغاربة الوافدين على تلك المدينة الجميلة، القاصدين خدماتها ، المدينة التي أكن لها شخصيا المحبة والتقدير لأسباب سأصل إلى شرحها مستقبلا. قانون الجمعية حررته بنفسي جاعلا منه مواكبة تشخيص ما نود الوصول إليه كمغاربة بقالب مغربي صرف يضمن لنا استقلالية القرار والسير وفق ثوابت لا يمكن تجاوزها تبقى على الصداقة المغربية الهولندية وتنميها بما هو كفيل بخلق تعاون ثنائي حقيقي في كل المجالات ، حتى يكون دور الجمعية مكملا لكل رغبة مماثلة للجانب الهولندي وغير معاكس لها. والدكتور باوس وهو رجل قانون أدرك أن الفكرة بتطبيقها كما يجب ستعد لبنة أولى تتأسس عليها ما يفتح المجال لتقارب الحضارتين الهولندية والعربية عموما ، وما يسد حاليا الخصاص بهذا الأسلوب الراقي المشجع لمبادرة عقد حوار صريح ونزيه بين ثقافتين تهدفان (لدى أصحاب النيات الحسنة) الاقتباس المتبادل مما تتفقان أنه الحل الأمثل للتعمق في معرفة كل طرف للطرف الثاني معرفة تضمن نشر التسامح والإخاء والأمن والسلام، لذا لم يجد غير مصارحتي بوجود آنسة هولندية تتقن اللغة الإسبانية (مثلي) من الأفضل ضمها إلى الجمعية حتى لا أجد أية صعوبة في طرح ما أود طرحه مترجما (الترجمة الجيدة)إلى اللغة " الندرلندية"، ولم تمر سوي لحظات على موافقتي كرئيس للجمعية ، وبعد دقيقتين من مهاتفته المعنية بالأمر، أطلت علينا الآنسة " ليدوين سمبول" ، التي لا زال محياها يداعب ذكرياتي بأدق التفاصيل حتى الآن، نحيفة بعض الشيء لكن في تناغم مع قدها المتوسط الطول ، شقراء الشعر ، بيضاء البشرة ، خضراء العينين ، بثغر لا يكف عن الابتسام ، أنثى بمعنى الكلمة ، لا أقولها بعقلية شاب أعزب وافد من شمال إفريقيا العربي ، يحيا تقاليد .. المرأة داخلها .. عالم مغلق لا يلجه إلا الراغب في إتمام نصف دينه ، وإنما بعقل إنسان احترم المرأة في كل مكان وزمان، ومع هذا الاحترام يود العثور على إنسانة تشاركه مطامح مسير على درب الحياة بهدوء وسكينة وراحة بال وانسجام لا يعكر صفاءه أي عارض في أي لحظة من لحظات البقاء على قيد الحياة . وبالرغم من المقام المهيأ كان لمثل الشروع في تخطيط ترابط لا يترك للصدفة سبيلا للانصراف دون استغلالها الاستغلال الشريف ، ظل الاهتمام بإنجاح أعمال الجمعية والخروج بها للوجود ، المسيطر الأكبر . وللتاريخ أقول : "لدوين"كان لها الفضل بعد الصديق الدكتور " باوس " في وقوف الجمعية على رجلين قويين ، حتى الأصدقاء الذين سعيت ليتم ضمهم للجمعية المذكورة : ومنهم محمد التطواني ، ومحمد الزوين ، والصغير السلاوي ، ومحمد منيصر ، ومصطفى البرابش ، والعنايا ، وعشرات آخرين ، وعلى رأسهم الصديق العزيز محمي سليمان . حتى هؤلاء في مقدور الذين لا زال منهم على قيد الحياة ، التأكيد على ذلك .
تعلمت اللغة الهولندية بقدر حاجتي لاستعمالها ، بواسطة رفيقتي في " أطريخت" " لدوين "، بل ازدادت خبرتي في التعامل مع عقلية أهالي البلد النظيف، الجميل ، المنظم ،الساحر، المحترم لأقصى الحدود ، وأيضا بمصاحبة " لدوين " ، وكلما مرت الأيام أدركت كم دور المرأة الهولندية أساسي في المجتمع من حيث تنظيم الأسرة ، اختلف ساعتها ونفس التنظيم عندنا اختلاف الليل عن النهار ، فهي القائدة المطلقة لكل الترتيبات الحياتية ، والمخططة الأهم للوصول بسفينة ذات الارتباط إلى شط النجاة المفعم بالراحة ، والطيبوبة، والنبل ، والسعادة ، والتقاعد المريح آخر المطاف، بعد قطع المحطات المحسوبة بثلاث ، أو أربع ، أو خمس عقود بطول عمر شاءه الله سبحانه وتعالى لكل إنسان من خلقه. كانت " لدوين " إنسانة رائعة من أسرة محافظة عريقة ، والدها اشتغل بسلك الدبلوماسية ، حيث عينته مملكته الهولندية قنصلا لها بإحدى دول أمريكا اللاتينية ، وهناك تعلمت الصغيرة "لدوين" اللغة الإسبانية تحدثا وكتابة . مرة دعتني ضيفا على بيتها ، لبيت بكل سرور ، فكانت المرة الأولى التي ولجت فيها بيتا هولنديا لأشاهد عن كثب ذاك التنسيق الشامل كل محتوياته مقربا تناغم الألوان والأشكال في صورة تبرز ذوق صاحبة البيت وأسلوب حياتها في التعامل مع المرئي يوميا الباعث في النفس راحة الانزواء التام يومي السبت والأحد لتجديد خلايا الإقبال على مستلزمات ضرورية للإبقاء على نفس المستوى من العيش الطيب ، من اجتهادات في العمل من الاثنين إلى الجمعة على امتداد قد يصل أحيانا 16 ساعة في اليوم. وتذوقت من أطباق تفننت المضيفة في تحضيرها على الطريقة الهولندية الرائعة ، مهيأة وفق جو يومين قضيتهما هناك ، حيث ثلج " دجمبر" يغطي – كما تظهر شرفة البيت الرئيسية ذات الزجاج السميك المغطى "بالدنتيل" الأخضر الشفاف – جنيات الطرقات وسطوح الأبنية المشيدة وفق هندسة معمارية سائدة في شمال أوربا قادرة على تحمل البرد القارص من جهة وثقل الثلج المتساقط عليها بكثافة في مراحل معينة من فصل الشتاء من جهة ثانية ، أطباق تعلوها دهون خفيفة تفرزها شرائح لحم البقر المصاحب بخضر متنوعة الأشكال مرصعة بقطع الجبن الهولندي الأصيل المستورد من " ألكمار" ، وما زاد من شاعرية المقام انبعاث صدى خافت نوعا ما من آلة تشجيل تعيد ما تصدح به أغاني جنوب أمركا من معاني الرقة في طرب بريء تطبع المساحة برومانسية لم تكن مألوفة بالمباشر عند شاب في العشرينات من عمره وافد من شمال افرقيا العربي تربى التربية المحافظة ، ومع ذلك حافظ هذا الشاب على كيانه ليرقى مع ضميره بالتصرف المتحضر إلى منصب يشغله عن جدارة واستحقاق كرئيس لجمعية أصلها مغربي صرف ومقامها المملكة الهولندية المحترمة ، الداعية إلى تعميق التعارف بين الطرفين تعارفا يبني لمستقبل تعاون أساسه المودة والأمن والسلام . حقيقة فاتحتني العزيزة " لدوين " في شأن الارتباط الرسمي بيننا ، لكنني تهربت في نبل وبأدب جم حتى لا اجرح عواطفها الرقيقة ، إذ قلبي وعقلي كانا مرتبطان مع قاعدة الزواج من امرأة مسلمة مثلي ، عربية اللسان والتربية والخصال ، لينطق من يخرج من صلبي أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله .
لم يكن المغرب قادرا كما سبق الذكر لاستيعاب وتوظيف حماس الشباب مثلي في تحقيق نماء مطلوب والمرحلة مرحلة بناء حقيقي لدولة عصرية بكل ما ترمز إليه الكلمة ، لأولويات فرضت نفسها عليه ،تعلقت بترتيب النظام احتياجاته الأساسية لضمان استمرارية مريحة وإن اختلف العهدين ونمط الحكم فيهما ، المسألة لم تكن سهلة، خاصة والأطماع (كما سميت آنذاك) تكبر يوميا لنزع مكسب يضاف لمطالبة حزب كبير معارض(منذ نشأته) للمشاركة المباشرة في تدبير الشأن العمومي تحت شعار التقليل من دكتاتورية النظام ، وما تبع ذلك من اضطرابات وقلاقل ، حقيقة يصعب حصرها لكثرتها بما سببته من مآسي لأسر لازالت تعاني من ويلاتها. لا يمكن حجب الحقائق عنا إلى الأبد ، كان المفروض أن يعلم الشعب المغربي في يوم لاحق (لم يصل بعد للأسف الشديد) من أخر مسيرته صوب التقدم ، ومن عمد أن يأتي الاستقلال خدمة لمصالح ضيقة لا أقل ولا أكثر، حينما ربط هذا الاستقلال بنقص فادح في بسط السيادة على مجموع التراب الوطني الموحد تعلق الأمر بالشمال أو الجنوب أو الشرق ، ليظل المغرب يعاني والمغاربة حتى الساعة وهما يحاولان استرداد ما يكاد يضيع ،القضية لا تحتاج لذكاء حاد حتى نصل إلى الإجابة المقنعة. ومتى اتضحت الأمور إلى منوال لا يترك حتى الجزئيات دون شرح ومستفيض، علمنا ما الهدف لتركنا دوما في الصف الثالث بدل الثاني ، ولما لا مع الأوائل ؟؟؟.
كنت في شمال المغرب ساعتها وتحديدا في مدينة تطوان انهي في المدرسة بوليتكنكا(جابر بن حيان حاليا) دراستي الثانوية في قسم الباكلوريا حينما كان مديرها الأستاذ محمد الخطيب يساعده كحارس عام الجزائري السي قدور ، والأستاذ الجحرة ككاتب ، ومحمد المرابط ، والفقيه الصوردو كأستاذين فريدين وسط جماعة من الأساتذة الإسبان، إذ باستثناء الفلسفة التي كان يدرسنا إياها المرابط ( لا زال في نفس المدينة يشغل الكاتب العام المحلى لإحدى النقابات العمالية) بعد قدومه من مصر والتحاقه بنفس المؤسسة التعليمية ، واللغة العربية التي كان يلقنها لنا الأستاذ المرحوم محمد الصوردو ، كل المواد العلمية الأخرى يتم تحصيلها باللغة الإسبانية . بعد اجتيازي المرحلة التحقت بالمدرسة المحمدية للمهندسين لأسبوع واحد فقط ، صراحة لم أتمكن من استيعاب المحاضرات الملقاة علينا باللغة الفرنسية التي كنا نجهل حتى الميسور من مفرداتها ، خاصة ونحن القادمون من الشمال الذين قضينا عمرنا الدراسي فيه بالغة الإسبانية لا غير ، اللهم ما تعلق ببدايتنا في الكتاب ثم مدرستي " الأهلية الحسنية " و " سيدي بوأحمد" ، و"ثانوية القصر الكبير" ، و"المعهد المحمدي" بمدينة القصر الكبير ، حيث كانت العربية جزءا أساسيا في البرامج التعليمية المطبقة علينا ، ما عدا ذلك كانت الإسبانية هي العمود الفقري في تكويننا العلمي ،فاتفقت وستة من رفاقي الاتصال بوزير التعليم وكان أنذاك السيد يوسف بلعباس الذي استقبلنا مكرها ، بعدها حصلت واقعة كان لها الأثر البليغ في مسرى حياتي السياسية خاصة ،إذ أدركت أن المغرب الرسمي، وخاصة في هذه المرحلة الانتقالية (كما كانت السياسة الرسمية تريد إقناعنا بذلك لنمتص ما يرتكب في حقنا من أخطاء وجسيمة) لن يعبأ بالشمال ،ومشاكل الشمال، وطموحات أبناء الشمال ،لانشغاله بجهة أخرى، التي كان على شخصيا الانتظار أربعين سنة حتى أتمكن من معرفة من تكون هذه الجهة ، وطبعا سأبين الأمر حالما أصل إليه بمشيئة الرحمن الحي القيوم لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه المصير .
(يتبع)
وغدا نصعد للقمر
المــــذأبـــة
تأليف : مصطفى الخمار منيغ
لم يكن أصله من الديار ، بل ساقه إليها القدر ، بعد رحلة عمر لم تكن هينة ولا قصيرة ولا لمصيرها اختار. لم يكن ظهره قد انحنى أو تقوس فمال عن أداء الواجب أو تقاعس ، وإن كان الشيب تسلل لشعره بغير ميعاد ، فمن فرط النضال رفقة الشرفاء وليس البعاد، أما عيناه البنيتان لا زالتا تشعان عنه ما يخبر عن ذكاء يؤهله لنقاش مطول ، في السياسة خاصة ، المنتهي بميل الكفة لصالحه . اندفاعه صوب الحصول على مكسب حلال ، أهم الأسباب التي حط من أجله هاهنا الرحال ، ظنا أن الحال تبدل ، والناس زاد وعيها عكس الأمس ، ورواد المقاهي تبدد حديثهم لملء الفراغ ليأخذوا زمام نتاج آخر يساهم في نشر حقائق تتجلى من يائها الرغبة الشعبية في التغيير نحو الأحسن ، والحد من مد اليد .. لغرب لا يمنح بغير فائدة ، ولا يساعد دون وضع قائمة بسلسلة من الشروط أولها شؤم ، ووسطها غم وهم ، آخرها إحساس بالندم .. وحبذا لو نفع.. بعد الإطلاع .. أن المعول عليه للقيم السمحة المحلية الأصيلة باع. غيابه ملفوف بحكمة ، وحضوره مرفوق بإنعاش للحرفة ، إذ الأقلام من بعد ظهوره ، تتزود بما أمكن بالحبر الأسود ، يقدر ما يواجه طلقات أوصاف أصحابها للحدث .. بالصبر المعتاد.. مادام كير الحداد .. هامد يبقى ما لم تحركه على هواها يد. رواياته كأفكاره: التحدي النبيل لمن استبد، وعلى مكاسب الشعب جوره امتد، لذا ما يكتبه نابع من صدق الصدق.. كجو مكفهر في ظلمة عليائه يضيء بما يعلن عنه البرق ، الباطل عنده زاهق ، والحق حق .. مهما تجبر حياله من لحلاوة الحرام ذاق . له السلطة المحلية كالإقليمية تراقب ، باعثة للرصد من يصاحب ، ولو بالجلوس حيث جلس ، لتصل كلماته بالجهر أو الهمس لمن فرض عليهم شغلهم القاسي تجريد العامة من حرية إبداء الرأي ، وبقدر ما ألفوا مثل المتابعة ، لم يعد لضميرهم ( بما لحقوا بالغير من أضرار) لا شعور ولا إحساس. له مع التاريخ أروع مواقف، متى فرض الإذعان لمذلة نجده أول مخالف ، وما همه خطر ما دام للنهر ضفتان ، السابح الماهر يصل للأخرى تاركا نقطة الانطلاق للذكرى.
لم يطالب بذحله أو بثأره للأخذ ممن أذاه ، لعلمه أن الجاهل أكثر الخلق تأثرا بالإشاعة لا تختمر في ذهنه سويعة ما يسمع بواسطتها حتى يندفع لسانه كثور هائج لاختبار قوة قرنيه وصلابة جمجمته ، إن كانوا عند اصطدامهم بأي ضحية تتحرك أمامه ، على درجة كبير ة من إلحاق الفتك بها ، وإلا فهو مستعد تلقائيا لتكرار الهجوم لثاني أو عاشر مرة حتى يهمد من فرط الإجهاد ويسقط أرضا مستسلما بعد ذلك لمصيره الحتمي . لسان الجاهل مصيبة ، حين انطلاقه متفننا في سرد ما اعتبر صاحبه أنها معلومات واجب البوح بها شمالا ويمينا كعقاب مباشر بشع في حق من جاء عليه الدور ظلما وعدوانا ، مادام المكان محكوم من طرف صنف من المسؤولين في الزمن الرديء ممن جعلوا مناعة بقائهم فيه يصولون ويجولون بلا رقيب أو حسيب بما استولوا عليه من مبالغ مالية قادرة على احتضان خدامهم بأي وسيلة حقيرة كانت ، أو بنشر إشاعة تخرج الممتنعين عن الولاء الأعمى لهم من دائرة التفاهم إلى فضاء التطاحن مع ألسنة لا ترحم . وكم من جاهل جهل عاقبة فعله، لا يفطن إلا بانقطاع الزاد المر الذي كانت اليد الآثمة تشتري به لسانه، إذ لكل بداية نهاية ، والمتمكن من هدفه لا يلتفت إلى الخلف لاستقراء الوسيلة المستعملة في حصوله على متعة الوصول، لذا كل جاهل أجر لسانه لمساعدة من يدفع ، لإندحار سريع هو مقبل ، لا شك في ذلك . وكم هي الصورة القاتمة المؤلمة، المتروكة عبرة تحذر من مغبة الرضوخ فالانبطاح لعملاء الشر بتلك الطريقة المشينة العديم صاحبها العقل والضمير، طبعا الأقوياء الشرفاء معرضون للعرقلة ممن يخشون انتشار الفضيلة بزعامة الحق. حرب غير معلنة تحياها بعض الأمكنة المقسمة بما فيها إلى فرعين ، أحدهما يحمل متع الدنيا في قلبه ، والآخر لا يهتم إلا بما يقربه لجنة الرحمن ، يوم لا ملك يحكم ، ولا وزير يتباهى ، ولا عامل (محافظ) بتدخل ، ولا باشا يتمختر، آنذاك الأمر كله لله الحي القيوم لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه المصير. حرب من خاصية أخرى لا يحس بنشوبها إلا المدرك الحقيقي لما يروج في الساحات العمومية وبغض المكاتب الإدارية الموزعة على أكثر من مصلحة تختلف اساميها باختلاف قوانين هذا البلد الغير المطبقة كما يجب في مجملها ، مكاتب إدارية " السيد فيها من يمتلك الدليل ليسوق زمام المنفعة إلى حسابه في البنك (في المصرف) مسجل في شخص من يثق به والبعيد عن الشكوك ، أو يجرجر من تمادى إلى المحاكم ليخفى نفسه وراء إبعاد أي شبهة من حوله . ومهما يكن فقوة الشر المعانقة المجون بالوجه المكشوف، المستولية على حقوق الغير بدون موجب حق ، الموسعة أملاكها بالحرام لن تنهي مسيرها في الحياة الدنيوية بسلام أبدا ، إذ آت ذاك اليوم ليعمها التطاحن فيما بينها ، فيدمر كل شرير جاره الشرير مثله ، ساعتئذ لن تنفع إشاعة بشراء الجهلة لنشرها بين الناس عن " زيد" بريء أو " عمر و " شريف ، ولن تنفع حتى الأموال الطائلة التي ظنوا جميعهم بها أنها محصنة لهم ولأفعالهم ولا خوف على مستقبلهم ما دامت في حوزتهم ، وهيهات هيهات من حلم الظالمين .
لم يكن مقصرا في حق أرض اكتوى بعشقها منذ كان. حملها في وجدانه أينما ارتحل ، كزاد للذكرى وسجل لتاريخ أبطال ، عمر حسهم مهما الزمان على غيابهم طال ، أو كمنديل معطر بشذى مسك مزروعة شجرته جنب وادي فوق لجينه غصنها الشاهد على همس رفيقة مال ، متى الحنين طرق باب عاطفته مسح الجفنين به ليستيقظ من جديد فالركب متجه صوب من إذا حل وسطها ارتاح . لكن ... للأقلية مكرها، إذ لا مكان في محيطها تركته جاذبا أصحاب الأفئدة المملوءة بقيم المحبة والسلام، بل جحورا أسست لتصبح مقاما بالمسخ مهيأ لاحتضان كل مستعد للهدم، ومزارا لبقع سوداء تنشر على موائدها الملعونة ( وبالمقابل المادي) أرذل الرذائل ملفوفة أجسادها بأفاعي لقيطة يصل حفيفها سمع من ينتظر الدور مرغما ليستسلم في هدوء المغلوب على أمره مادام قد تورط وما كان كان ، إذ لا إحساس ثمة بالزمان ، فالصدر وقتها محشو بدخان ، يترك " الحمار " في التشكيل أقدر فنان ، يحرك الريشة بنعيقه لترسم : نعم لجهنم . قلة ، محمية طبيعية صارت ، بلا رسم ، وبلا قانون ، وبلا وظائف يشغلها عقلاء ، بل محطة تشم رائحتها النتنة من قرب أو بعد لا يهم وسط تلك الأرض المنكوبة بها حقا ، وإن بحثت عن حدودها كان المفروض العثور على مرشد يدلك على أول عتبة فيها إن استطاع أن يخدرك قبل الوصول إليها ، فالشبكة مدربة على أعلى مستوى ، وتفضل أن تفقع عينيك بدل رؤيتهما قلة الحياء يتحداك في دولة دينها الإسلام ، حتى لا تكون خطرا عليها ما بقيت تتوهم نفسها أنها الأخطر من الخطر بكل قياس على ذهنك خطر .
(يتبع)